الثلاثاء، 12 يونيو 2018

الدولة العثمانية(168)


معركة موهاتش 
==========
هي معركة وقعت بين جيشي الدولة العثمانية ومملكة المجر في 29 أغسطس 1526م). كان يقود قوات العثمانيين السلطان سليمان القانوني أما المجريون فكان يقودهم ملكهم لايوش الثاني (لويس الثاني). 
قدر عدد جنود الجيش العثماني بحوالي 100 ألف جندي وعدد من المدافع و800 سفينة
 قدرت أعداد الجيش المجري بنحو 50ألف مقاتل 
أدى انتصار العثمانيين في هذه المعركة إلى إحكام سيطرتهم على المجر وفتح عاصمتها بودابست والقضاء على ما كان يعرف باسم مملكة المجر.
 عانى العثمانيون كثيرا بعد فتح المدينة من غارات النصارى المتتالية عليها.
حتى هذا اليوم، يعتبر المجريون هزيمتهم في هذه المعركة شؤما عليهم ونقطة سوداء في تاريخهم. 
على الرغم من انقضاء أكثر من 400 عام إلا أن هناك مثل شائع لدى الهنجاريين «أسوأ من هزيمتنا في موهاكس»
 ويضرب عند التعرض لحظ سيء.
يقول المؤرخ الفرنسي " إرنست لافيس " يصف آثارَ تلك المعركة : 
" لم يشهد التاريخ حربًا كموهاج، حُسِمت نتيجتها على هذه الصورة في مصادمةٍ واحدة، ومحَت مستقبل شعبٍ كبير لعصورٍ طويلة.
سار السلطان سليمان من إسطنبول في (11 رجب 932هـ = 23 أبريل 1526 م) على رأس جيشه، الذي كان مؤلفًا من نحو مائة ألف جندي، وثلاثمائة مدفع وثمانمائة سفينة، حتى بلغ بلغراد، ثم تمكن من عبور نهر الطونة (الدانوب) بسهولة ويسر بفضل الجسور الكبيرة التي تم تشييدها، وبعد أن افتتح الجيش العثماني عدة قلاع حربية على نهر الطونة وصل إلى "وادي موهاكس" بعد 128 يومًا من خروج الحملة، قاطعًا 1000 كيلومتر من السير، وهذا الوادي يقع الآن جنوبي بلاد المجر على مسافة 185 كم شمال غربي بلغراد، و170 كم جنوبي بودابست. 
وكان في انتظاره الجيش المجري البالغ نحو خمسون ألف جندي، من بينهم 5000 من الوحدات المساعدة التي جاءت من ألمانيا
بالإضافة إلى وحدة صغيرة من القوات البولندية (1500 جندي وفارس) 
بقيادة القبطان الملكي لينارت غنويسكي 
(وكانت منظمة ومجهزة من قبل الدولة البابوية). 
 ويقود هذه الجموع الجرارة الملك "لايوش الثاني". 
حيث قام الصدر الاعظم إبراهيم باشا باعداد الخطة التي تتضمن انسحاب مقدمة العثمانيين 
وتراجعها حتى يندفع المجريون نحوهم فتحصدهم المدافع والقناصة العثمانيين.
وفي صباح يوم اللقاء الموافق (21 ذي القعدة 932هـ = 29 أغسطس 1526 م) دخل السلطان سليمان بين صفوف الجند بعد صلاة الفجر
 وخطب فيهم خطبة حماسية بليغة، وحثهم على الصبر والثبات
 ثم دخل بين صفوف فيلق الانكشارية وألقى فيهم كلمة حماسية وكان مما قاله لهم: "إن روح رسول الله صلى الله عليه وسلم تنظر إليكم
 فلم يتمالك الجند دموعهم التي انهمرت تأثرًا مما قاله السلطان.
وفي وقت العصر هجم المجريون على الجيش العثماني الذي اصطف على ثلاثة صفوف
 وكان السلطان ومعه إبراهيم باشا الفرنجي الصدر الاعظم ومعهم مدافعهم الجبارة، وجنودهم من الإنكشاريين في الصف الثالث
 فلما هجم فرسان المجر وكانوا مشهورين بالبسالة والإقدام أمر إبراهيم صفوفه الأولى بالتقهقر حتى يندفع المجريون إلى الداخل
 حتى إذا وصلوا قريبًا من المدافع
أمر إبراهيم بإطلاق نيرانها عليهم فحصدتهم حصدًا
 واستمرت الحرب ساعة ونصف الساعة في نهايتها أصبح الجيش المجري في حالة تقهقر 
 بعد أن غرق معظم جنوده في مستنقعات وادي موهاكس
 ومعهم الملك لايوش الثاني
 وسبعة من الأساقفة
 وجميع القادة الكبار
 ووقع في الأسر خمسة وعشرون ألفًا
في حين كانت خسائر العثمانيين ألف و خمسمائة قتيلا
 وبضعة آلاف من الجرحى.
كانت معركة موهاكس من المعارك النادرة في التاريخ
 حيث هُزم أحد أطرافها على هذا النحو من مصادمَة واحدة وفي وقت قليل لا يتجاوز ساعتين
 وترتب عليها ضياع استقلال المجر بعد ضياع جيشها على هذه الصورة في هزيمة مروعة، وبعد اللقاء بيومين في (23 من ذي القعدة 932 هـ= 31 من أغسطس 1526 م) قام الجيش العثماني بعمل استعراض أمام الخليفة سليمان، وقام بأداء التحية له وتهنئته، وقام القادة بدءًا من الصدر الأعظم بتقبيل يد الخليفة.
ثم تحرك الجيش نحو الشمال بمحاذاة ساحل الطونة الغربي حتى بلغ بودابست عاصمة المجر، فدخلها في (3 من ذي الحجة 932 هـ= 10 سبتمبر 1526 م)، ودخل المدينة بعيد الأضحى في سراي الملك، وكان قد احتفل بعيد الفطر في بلغراد في أثناء حملته. مكث الخليفة في المدينة ثلاثة عشر يومًا ينظم شئونها
 وعين جان "زابولي" أمير ترانسلفانيا ملكًا على المجر التي أصبحت تابعة للدولة العثمانية،
وعاد الخليفة إلى عاصمة بلاده بعد أن دخلت المجر للدولة العثمانية وتقلص نفوذ الملك الإسباني.

الدولة العثمانية(167)


حصار فيينا وقع سنة 935 للهجرة 1529 ميلادية في المرة الاولى وعام 1532 في المرة الثانية عندما أعد الخليفة سليمان القانوني جيشا إسلاميا بلغ زهاء 120 ألف مقاتل مدعمين بثلاثمئة مدفع لغزو النمسا وفتحها وجعلها ولاية عثمانية.
 مثل حصار فيينا أعظم دليل على قوة الدولة العثمانية وأقصى توسع لها في وسط أوروبا في أوج مجد الإمبراطورية تحت حكم السلطان سليمان القانونى. 
أيضا مثل هذا الحصار بداية مرحلة استمرت لمائة وخمسين عاما من الصراع بين الدولة العثمانية والإمبراطورية الرومانية المقدسة تخللتها العديد من الهجمات والمعارك والتى بلغت ذروتها في معركة فيينا سنة 1683 والتى بدأت الحرب التركية العظمى التى استمرت لخمسة عشر عاما
في سنة 932هـ وقعت معركة موهاج في المجر بين 60 ألف من مقاتلي الدولة العثمانية بقيادة الخليفة سليمان القانوني وبين 25000 من مقاتلي مملكة المجر تحت قيادة الملك لايوش الثاني وانتصر المسلمون انتصارا ساحقا في تلك المعركة التي دامت ساعتين وسقطت على إثرها المملكة التي كانت تشكل حصنالاوروبا المسيحية ورفعت أعلام العثمانين في العاصمة بودابست التي كانت تسمى بودا حينها وعين الخليفة الملك جان زابوليا ملكاً للمجر.
أرسل الملك زابوليا إلى الخليفة سليمان رسائل بأن أرشيدوق النمسا فرديناند يخطط لغزو المجر بعد اتفاقات عقدها سرا مع عدد من أمراء المجر يتولى بموجبها هو عرش المجر، قام فرديناند بمباشرة خطته واستولى على مقاطعة "بودين" وانتزعها من يد الملك جان زابوليا المعين من قبل العثمانيين، فهبت على الفور الجيوش العثمانية من القسطنطينية والتي بلغ تعدادها 100 ألف مقاتل بالتقدم نحو المجر لاستعادة بودين فتم لها ذلك وأعادوا زابوليا ملكا عليها وبعد المعركة فرّ الملك فرديناند إلى فيينا التي كانت تحرسها حامية تتكون من 20 ألف جندي
 أصر الخليفة على معاقبة فرديناند واتجه العثمانيون إلى فيينا وقاموا بتطويقها بـ 120 ألف جندي و300 مدفع لكنهم عجزوا عن فتحها
 بيد أنهم ألحقوا خسائر كبيرة بضواحيها والمزارع المحيطة
 طلب فرديناند من شقيقه الإمبراطور تشارلز المساعده لكنه لم يجب الإستغاثه وبعد 25 يوم انتهى الحصار وتوجهت بعض من قوات الجيش العثماني
 نحو ألمانيا ومهاجمة ملكها شارلكان بينما عاد معظم الجنود من أسوار فيينا بسبب قيام الصفويين بالاستيلاء على بغداد والسيطرة عليها فلزم الجيش العودة من فيينا لتحريرها.
وقعت معاهدة صلح واتفاق سلام بين الخصوم سنة 1553 بعد أن كان العثمانيون قد رفضوا التسوية من جانبهم في بادئ الأمر.
بسبب هذا الحصار قام أهل فيينا بخبز عجينة على شكل هلال الذي كان رمزاً للجيش العثماني
وكانوا يلتهمونها انتقاما لمدينتهم التي تعرضت لأذى العثمانيين
 أصبح اسم هذه العجينة حاليا كروسان
قام العثمانيون لاحقا، بعد أكثر من 150 عاما من الحصار
 بمحاولة ثانية لفتح المدينة عام 1683 لكنها باءت بالفشل لأنهم لم يحققوا الانتصار المرجو في معركة فيينا ولخيانة أحد حلفاء العثمانيين .
فشل العثمانيون في كلتا المرتين في فتح فيينا للعوامل التالية :
بُعد فيينا عن حاضرة الخلافة في اسطنبول وامتداد خطوط النقل وراء الجيش لمسافة طويلة .
رفض سليمان القانوني لطلبات صدره الاعظم إبراهيم باشا من إقامة مستودعات للطعام والسلاح بطول الطريق لإمدادات الجيش قبل الخروج للحملة خوفاً من سليمان من أن ينهبها النمساويون قبل خروج الجيش العثماني .
حلول فصل الشتاء اثناء الحصار وكانت الجنود العثمانية غير معتادة على القتال في مثل هذه الاجواء الصعبة .
سخط الجنود نتيجة طول فترة الحملة وبعدهم عن العاصمة ولانتشار الامراض بينهم .
قلق العثمانيين من احتمال وصول امدادات من قبل شارلكان شقيق فرديناند وعدم قدرتهم على مواجهة تلك القوات في ظل ظروفهم الصعبة .
التطورات التى حصلت في الشرق من قبل الصفويين لمهاجمتهم بغداد وقتلهم وإلى بدليس حيث أجبرت تلك التطورات سليمان القانوني على سحب القوات إلى العاصمة وإعادة تجهيزها لمواجهة اى غزو محتمل للأناضول من قبل الصفويين .

الدولة العثمانية(166)

الحرب التركية العظمى أو حرب الحلف المقدس إلى مجموعة من الصراعات بين الدولة العثمانية والقوى الأوروبية المعاصرة لها، والتي انضمت في الحلف المقدس (1684)، في أواخر حقب القرن السابع عشر.
بعد ثورة بوهدان خملنيتسكي  عندما سيطرت روسيا القيصرية على أجزاء من أوكرانيا الشرقية من الكومنولث البولندي اللتواني، بقى بعض القوزاق في الجنوب الشرقي للكومنولث. 
وقد رغب قائدهم، بيترو دوروشينكو  في ربط ما بقي من أوكرانيا مع الإمبراطورية العثمانية، حيث أطلق شرارة ثورة ضد هيتمان (قائد الجيش البولندي) جون سوبيسكي الثالث 
وقام السلطان محمد الرابع، الذي أدرك أن الكومنولث البولندي اللتواني أصبح ضعيفًا بسبب الصراعات الداخلية، قام بمهاجمة كاميانتيس بوديلسكي  وهي مدينة كبيرة تقع على الحدود.
وقد قاومت القوة البولندية الصغيرة حصار كيمينتس على مدار أسبوعين، لكنها اضطرت للاستسلام.
 فقد كان الجيش البولندي صغيرًا للغاية بحيث لا يمكنه مقاومة الغزو العثماني، ولم يتمكن من تحقيق إلا أقل القليل من الانتصارات التكتيكية. وبعد ثلاثة أشهر، تم إجبار البولنديين على توقيع معاهدة بوتشاش
 والتي وافقوا فيها على تسليم كاميانتيس بوديلسكي وبودوليا ودفع الجزية للسلطان العثماني.
وعندما وصلت أخبار الهزيمة وشروط الاتفاقية إلى وارسو، رفض مجلس النواب دفع الجزية وقاموا بتجهيز جيش ضخم تحت قيادة جان سوبيسكي 
 وانتصر بعدها البولنديون في معركة خوتين  1673.
 وبعد وفاة الملك مايكل في عام 1673، تم انتخاب جان سوبيسكي ملكًا لبولندا، وحاول بعد ذلك التغلب على العثمانيين على مدار أربع سنوات، لكنه لم يحقق أي نجاح يذكر. وانتهت الحرب في السابع عشر من أكتوبر عام 1676 بتوقيع اتفاقية زوراونو 
 والتي استعاد الأتراك من خلالها السيطرة على كاميانتيس بوديلسكي.
 وقد أدى هذا الهجوم التركي كذلك في عام 1676 إلى بداية الحروب الروسية التركية.
بعد سنوات عديدة عم فيها السلام، هاجمت الإمبراطورية العثمانية إمبراطورية هابسبورج.
 وكان الأتراك على وشك إسقاط فيينا
إلا أن جون سوبيسكي الثالث قاد تحالفًا مسيحيا تمكن من هزيمة الأتراك في موقعة فيينا، هذه الهزيمة التي أوقفت التوسع العثماني في جنوب شرق أوروبا.
وتم تأسيس حلف مقدس جديد على يد البابا إنوسينت الحادي عشر 
واشتمل على الامبراطورية الرومانية المقدسة 
(التي كان يأتي على رأسها هابسبوج النمسا)
 واتحاد دولتي بولندا وليتوانيا والجمهورية الفينيسية في عام 1684
وانضمت إليهم روسيا في عام 1686. 
ولاقى السلطان في موقعة موهاج الثانية هزيمة ساحقة. 
وحقق الأتراك نجاحات رائعة على الجبهة البولندية وتمكنوا من استرداد بودوليا أثناء المعارك مع اتحاد دولتي بولندا وليتوانيا.
وقد كانت مشاركة روسيا هي أول مرة تنضم فيها تلك الدولة إلى تحالف يضم قوى أوروبية. 
وقد كان ذلك بمثابة البداية لسلسلة من الحروب الروسية التركية، التي استمرت حتى القرن العشرين.
 ونتيجة لحملات القرم وحملات آزوف، تمكنت روسيا من انتزاع الحصن العثماني الرئيسي آزوف.
وبعد معركة زينتا الحاسمة والمناوشات الأصغر التي وقعت في عام 1697 (مثل معركة بوهاجسي في عام 1698)
 تمكن الحلف من تحقيق الانتصار في عام 1699، وأجبر الامبراطورية العثمانية على توقيع معاهدة كارلوفجة.
 وتنازل العثمانيون عن معظم أراضي المجر وترانسلفانيا وسلافونيا لإمبراطورية هابسبورج في حين عادت بودوليا إلى بولندا. وتمت إعادة معظم دالاماتيا 
 إلى فينيس، بالإضافة إلى موريا 
 شبه جزيرة البيلوبونيز والتي أعاد العثمانيون احتلالها في عام 1715 ثم استعادوها من خلال معاهدة باساروفيتز  عام 1718.


الدولة العثمانية(165)


رجل أوروبا المريض هو اللقب الذي إشتهرت به الدولة العثمانية منذ منتصف القرن التاسع عشر. 
ويرجع سبب ذلك إلى الهزائم التى تكبدتها الدولة العثمانية من الدول الأوروبية وأفقدتها الكثير من أراضيها
 فذهبت مهابتها ومكانتها بين الدول وأخذت الدول الأوروبية تخطط فيما بينها لإقتسام أملاكها الممتدة على ثلاث قارات.
اسم أطلقه قيصر روسيا نيكولاي الأول على الدولة العثمانية سنة 1853 م بسبب ضعفها
 ودعا بريطانيا أن تشترك معه في اقتسام أملاك الدولة 
 ثم شاع هذا الاسم بعد ذلك
و استعملته الدول الأوربية الأخرى.
كانت الدولة العثمانية إحدى القوى العظمى في العالم في الفترة الممتدة بين منتصف القرن الخامس عشر وبين نهايات القرن السابع عشر
 فكانت مارداً أرعب الدول والشعوب الأوروبية وإمتلكت جيشاً هو الأقوى في العالم وبحرية مهابة. 
وبعد وفاة السلطان سليمان القانوني 1566 بدأ الضعف يتسرب إليها تدريجياً وتولى أمرها سلاطين ضعاف فاقدين للطموح يريدون الحفاظ فقط على ما يملكوه
 وإستغل رجال الدولة ضعف السلاطين فنزعوا إلى الإستبداد بإمورهم 
وتلقي الرشاوى وسرقة الدولة
 ونزعت تشكيلات الإنكشارية إلى التدخل في الشئون السياسية وفرض الأتاوات على الناس والقعود عن الجهاد وإعلاء راية الدين.
 فكانت النتيجة أن بدأت الدولة تتلقى الهزائم الواحدة تلو الأخرى وتتغافل عن التطور الذي وصلت له الدول الأوروبية. 
وكانت فاتحة ذلك هزيمتها القاسية في الحرب التركية العظمى وإضطرارها إلى التوقيع على معاهدة كارلوفجة التي تخلت فيها عن أجزاء كبيرة من أراضيها لصالح القوى الأوروبية. 
فزالت مهابة الدولة العثمانية من قلوب أعدائها وظهر لاحقاً مصطلح المسألة الشرقية حيث أصبحت القوى الأوروبية تسعى جدياً لإخراج الدولة العثمانية من أوروبا وتتنافس فيما بينها على اقتسام ممتلكات الدولة العثمانية الواسعة.

الدولة العثمانية(164)

41-محمدالفاتح
قاد السلطان حملة لم يحدد وجهتها، لأنه كان شديد الحرص على عدم كشف مخططاته العسكرية حتى لأقرب وأعز قواده. 
وقد قال في هذا الصدد عندما سئل مرة: "لو عرفته شعرة من لحيتي لقلعتها"
 لكن المؤرخون يخمنون بأنها كانت إلى إيطاليا.
 عرض أهل البندقية على طبيبه الخاص "يعقوب باشا" أن يقوم هو باغتياله، ولم يكن يعقوب مسلما عند الولادة فقد ولد بإيطاليا، وقد ادعى الهداية، وأسلم.
 بدأ يعقوب يدس السم تدريجيا للسلطان، ولكن عندما علم بأمر الحملة زاد جرعة السم. وتوفى السلطان في يوم 3 مايو عام 1481م، الموافق 4 ربيع الأول سنة 886هـ عن ثلاث وخمسين سنة
 ومدة حكمه 31 عاما، قضاها في حروب متواصلة للفتح وتقوية الدولة وتعميرها، وأتم في خلالها مقاصد أجداده، ففتح القسطنطينية وجميع ممالك وأقاليم آسيا الصغرى والصرب والبشناق وألبانيا، وحقق كثيرا من المنجزات الإدارية الداخلية التي سارت بدولته على درب الازدهار ومهدت الطريق أمام السلاطين اللاحقين ليركزوا على توسيع الدولة وفتح أقاليم جديدة. 
ومن مآثره أيضا وضعه أول مبادئ القانون المدني وقانون العقوبات
 فأبدل العقوبات البدنية
 أي العين بالعين والسنّ بالسنّ
 وجعل عوضها الغرامات النقدية بكيفية واضحة أتمها السلطان سليمان القانوني لاحقا.
وقد انفضح أمر يعقوب فيما بعد، فأعدمه حرس السلطان. 
 وصل خبر موت السلطان إلى البندقية بعد 16 يوما
 جاء الخبر في رسالة البريد السياسي إلى سفارة البندقية في القسطنطينية
 واحتوت الرسالة على هذه الجملة "لقد مات العقاب الكبير". 
انتشر الخبر في البندقية ثم إلى باقي أوروبا
 وراحت الكنائس في أوروبا تدق أجراسها لمدة ثلاثة أيام بأمر من البابا.

الدولة العثمانية(163)

40-محمدالفاتح
تزوج السلطان محمد الفاتح بعدد من النساء، كانت أولهن والدة ولي العهد،  "أمينة وردة الربيع"، وهي من الروم الأرثوذكس
نبيلة الجذور من قرية "دوفيرا" في طرابزون
توفيت عام 1492، وهي والدة السلطان بايزيد الثاني.
كذلك اتخذ السلطان زوجة من كل من "السلطانة گيفر"؛ "غولشان خاتون"؛ "ستّي مكرم خاتون"؛ "خاتون شيشك"؛ "هيلانة خاتون"، ابنة أحد الملوك الروم المتوفاة عام 1481، و"حنة خاتون" ابنة إمبراطور طرابزون، التي تزوجها السلطان لفترة قصيرة؛ و"خاتون أليكسياس"، إحدى الأميرات البيزنطيات. 
وكان للسلطان ابن أخر هو "جم" المعروف بالغرب باسم "زيزيم"، والذي توفي سنة 1495.
كان السلطان محمد الفاتح على عقيدة أهل السنة من الماتريدية،
 حيث طلب السلطان محمد الفاتح من أستاذه الإمام المولى خضر بك الحنفي الماتريدي أن يكتب له عقيدة، فكتب له عقيدة اسمها (جواهر العقائد) وهي قصيدة نونية معروفة بـ (عجالة ليلة أو ليلتين) لقوله في أولها:
ألا أيها السلطان نظمي عجالة ليلة أو ليلتين
وهذه القصيدة منسوجة على مذهب الماتريدية، وهي مؤلفة من أزيد من مائة بيت من الشعر، كتبها له في ظرف ليلة أو ليلتين فقط.
والسلطان محمد الفاتح كان حنفي المذهب الفقهي، صوفي المسلك
 أولى أتباع الطريقة النقشبندية بالغ اهتمامه؛ حينما كانوا يعيشون بعيداً عن مناطق حكمه، فقام بدعوة كبار شيوخهم من أمثال نور الدين عبد الرحمن الجامي وعبيد الله أحرار، وأمر بحمايتهم، وتولى رعايتهم ليعاونوه ضد التهديد الشيعي من جانب الإيرانيين، والحد من نشر عقائدهم بين الترك أهل السنة.

الدولة العثمانية(162)

39-محمدالفاتح
إن إقامة العدل بين الناس كان من واجبات السلاطين العثمانيين، وكان السلطان محمد شأنه في ذلك شأن من سلف من آبائه – شديد الحرص على إجراء العدالة في أجزاء دولته، ولكي يتأكد من هذا الأمر كان يرسل بين الحين والحين إلى بعض رجال الدين من النصارى بالتجوال والتطواف في أنحاء الدولة
 ويمنحهم مرسوماً مكتوباً يبين مهمتهم وسلطتهم المطلقة في التنقيب والتحري والاستقصاء لكي يطلعوا كيف تساس أمور الدولة وكيف يجري ميزان العدل بين الناس في المحاكم
 وقد أعطى هؤلاء المبعوثون الحرية الكاملة في النقد وتسجيل ما يرون ثم يرفعون ذلك كله إلى السلطان.
كانت تقرير هؤلاء المبعوثين المسيحيين تشيد دائماً بحسن سير المحاكم وإجراء العدل بالحق والدقة بين الناس بدون محاباة أو تمييز
 وكان السلطان الفاتح عند خروجه إلى الغزوات يتوقف في بعض الأقاليم وينصب خيامه ليجلس بنفسه للمظالم ويرفع إليه من شاء من الناس شكواه ومظلمته.
 اعتنى الفاتح بوجه خاص برجال القضاء الذين يتولون الحكم والفصل في أمور الناس، فلا يكفي في هؤلاء أن يكونوا من المتضلعين في الفقه والشريعة والاتصاف بالنزاهة والاستقامة 
وحسب بل لا بد إلى جانب ذلك أن يكونوا موضع محبة وتقدير بين الناس، وأن تتكفل الدولة بحوائجهم المادية حتى تسد طرق الإغراء والرشوة
 فوسع لهم الفاتح في عيشهم كل التوسعة، وأحاط منصبهم بحالة مهيبة من الحرمة والقداسة والحماية. 
أما القاضي المرتشي فلم يكن له عند الفاتح من جزاء غير القتل.
كان السلطان الفاتح 
 برغم اشتغاله بالجهاد والغزوات 
 إلا أنه كان يتتبع كل ما يجري في أرجاء دولته بيقظة واهتمام، وأعانه على ذلك ما حباه الله من ذكاء قوي وبصيرة نفاذة وذاكرة حافظة وجسم قوي
 وكان كثيراً ما ينزل بالليل إلى الطرقات والدروب ليتعرف على أحوال الناس بنفسه ويستمع إلى شكاواتهم بنفسه
 كما ساعده على معرفة أحوال الناس جهاز أمن الذي كان يجمع المعلومات والأخبار التي لها علاقة بالسلطنة وترفع إلى السلطان الذي كان يحرص على دوام المباشرة لأحوال الرعية
وتفقد أمورها والتماس الإحاطة بجوانب الخلل في أفرادها وجماعاتها.