الثلاثاء، 12 يونيو 2018

الدولة العثمانية(173)


4-عبد العزيز الأول
فتح العثمانيون بلاد الصرب عام 1389 وظلوا يحكمونها حكمًا مباشرًا حتى سنة 1815، ثم أبرم عام 1830 اتفاق يقضي بتحويلها لإمارة مستقلة تحت سيادة الباب العالي، ثم جاءت معاهدة باريس في 30 مارس 1856 بعد حرب القرم لتنظم العلاقة بشكل أكبر، فنصت أنه من حق الدولة العثمانية أن يكون لها في بلاد الصرب ست قلاع بما فيها قلعة بلغراد عاصمة الإمارة
 وفي أعقاب اندلاع ثورة الجبل الأسود حشد العثمانيون جيشًا شعبيًا غير مدرب تدريبًا جيدًا، بهدف ضبط الأمن في صربيا؛ ولكونه جيشًا غير مدرب فقد وقعت عدة مشاجرات بين أهالي الصرب و"الجيش الشعبي" تحولت إلى مواجهات دامية، بلغت ذروتها بعد مقتل جندي عثماني في 10 يونيو 1862
 وما تبعه من قصف لبلغراد بالمدفعية لمدة أربع ساعات متواليات. 
تدخل قناصل الدول لإيقاف القصف
 ثم وبنتيجة المشاورات اللاحقة بين القناصل والسلطان عبد العزيز
 قبل السلطان عبد العزيز بتخفيض عدد القلاع من ستة إلى أربعة مع احتفاظه بقلعة بلغراد
 وتعهد أيضًا بعدم السماح للقواد العثمانيين بالتدخل في الشؤون الداخلية للإدارة مطلقًا وأصدر فرمانًا بذلك في 6 سبتمبر 1862.
 غير أن اندلاع ثورة كريت وأحوال خزينة الدولة الناضبة مع ضغوط الدول الأوروبية
 انتهت في مارس 1867 بقبول السلطان عبد العزيز لاتفاق جديد يقضي بتخلي الدولة عن القلاع الأربعة في بلاد الصرب وانجلاء كافة القوات العثمانية عنها
 وبذلك لم يبقَ سوى لقب "ملك" على أمير الصرب
يفصلها عن الاستقلال الكامل في أعقاب هذا الفرمان.

الدولة العثمانية(172)

3-عبد العزيز الأول
على عكس سلفيه محمود الثاني وعبد المجيد الأول وخلفيه مراد الخامس وعبد الحميد الثاني، لم تشهد الدولة العثمانية خلال عهد السلطان عبد العزيز حروبًا خارجية، ولعلّ معاهدة باريس المبرمة عام 1856 ضبطت إيقاع السياسة الخارجية لأوروبا وجنبتها حروبًا جديدة. 
كذلك فلم تشهد سلطنته فقدانًا لأراضي الدولة وتقلصًا في مساحتها، كما حصل في سائر عهود عصر انحلال الدولة
 بل استطاع عبد العزيز الحفاظ على أملاك دولته، أما المناطق التي شهدت ثورات، فقد استطاعت الدولة العثمانية التعامل معها بالحزم والسياسة بحيث لم تؤد لفقدان أملاك وأراض.
منذ أن فتح العثمانيون الجبل الأسود الذي يقع إلى الشمال من ألبانيا لم يتمكنوا من فرض سيطرتهم سوى على المدن الكبرى فيه أما الجبال والقرى المحيطة ظلت شبه مستقلة وذات إدارة محلية بسبب وعورة المسالك وصعوبة المفارز
 وكان الجبل قد أعلن عام 1853 ثورة ضد الباب العالي تمكن القائد العثماني عمر باشا من سحقها، وفي أعقاب حرب القرم ومؤتمر باريس لعام 1856 طالب حاكم الجبل المحلي الأمير دانييل الاعتراف باستقلال الجبل فلم يلق ذلك قبولاً لدى الدول الأوروبية التي نصحته بعقد سلام مع الدولة العثمانية والاعتراف بسيادتها مقابل منحه رتبة مشير مع مبلغ سنوي من المال وتوسيع حدود دولته لتشمل أجزاءً من الهرسك أيضًا، فقبل الأمير بعرض أوروبا.
 في عام 1860 توفي الأمير دانييل وآل الحكم لابن أخيه الأمير نيكولا الذي شجع حركات ثورية ضد الباب العالي في الهرسك وكذلك في الجبل الأسود وأخذ يجمع جيوشًا لإعلان التمرد، فأغار عمر باشا على أراضي الجبل وحاصرها من ثلاث جهات، ثم دخلت قواته الإمارة واضطر الأمير نيكولا إلى توقيع اتفاق استسلام في 30 أغسطس 1862، التي نصّت على بقاء نيكولا حاكمًا للجبل شرط السماح للعثمانيين بناء ما يحلو لهم من حصون لتأمين وضمان السيادة داخل أراضي الإمارة، لاحقًا سعت الإمبراطورية الروسية وفرنسا لدى الباب العالي للتنازل عن حق بناء الحصون والقلاع داخل أراضي الإمارة، فقبل السلطان عبد العزيز بذلك وأصدر فرمانًا في 2 مارس 1864، انسحب بموجبه الجيش العثماني وهدم القلاع التي كان قد شرع في استحداثها، وأنهى انسحابه في يونيو 1864.

الدولة العثمانية(171)

2-عبد العزيز الأول
ولد عبد العزيز في 9 فبراير 1830 وقيل 18 فبراير ابنًا ثانيًا للسلطان محمود الثاني والسلطانة برتونيال؛ بعد وفاة والده محمود الثاني أصبح شقيقه الأكبر عبد المجيد سلطانًا في السابعة عشر من عمره، حينها كان عبد العزيز لم يتجاوز العاشرة.
 تزوج للمرة الأولى عام 1856 من الجورجية دورونيف قادين وأنجب منها ثلاثة أولاد على رأسهم يوسف عز الدين ولي عهد الدولة العثمانية خلال حكم محمد الخامس؛ وبعد توليه شؤون السلطنة تزوج للمرة الثانية في ديسمبر 1861 من آيداديل قادين ولم ينجب منها سوى طفل واحد؛ وبعد زواجه الثاني بخمس سنوات تزوج عام 1866 السلطانة حيرانة وأنجب منها طفلان وفي عام 1868 تزوج للمرة الرابعة السلطانة نسرين وأنجب منها ثلاثة أطفال، ثم في يوليو 1872 تزوج للمرة الخامسة من نيفين قادين أفندي وأنجب منها طفلًا واحدًا أيضًا، وأخيرًا تزوج السلطانة صافيناز وأنجب منها ثلاثة أطفال، وقد تزوجت صافيناز بعد وفاته السلطان عبد الحميد الثاني، وساق لها المؤرخون دورًا في سياسة الدولة خلال عهديهما.
في 7 يونيو 1861 توجه في الموكب الملكي إلى ضريح أبو أيوب الأنصاري، وهناك تقلد السيف السلطاني وفق العادة المتوارثة مذ أن فتح العثمانيون القسطنطينية، ومنه سار لزيارة قبر السلطان محمد الثاني فاتح اسطنبول ثم قبر والده السلطان محمود الثاني، وكانت أولى فرماناته بإقرار الصدر الأعظم محمد أمين عالي باشا في مكانه، ثم استحدث وسامًا خاصًا أسماه "الوسام العثماني" يمنح لمن قدّم خدمات جليلة للدولة، وقدم وسامه في المرتبة على الوسام المجيدي الذي استحدثه أخيه.

الدولة العثمانية(170)

1-عبد العزيز الأول
عبد العزيز الأول (1830 - 1876) ابن السلطان محمود الثاني. هو خليفة المسلمين الرابع بعد المائة وسلطان العثمانيين الثاني والثلاثين والرابع والعشرين من آل عثمان الذين جمعوا بين الخلافة والسلطنة. استوى على تخت المُلك بعد وفاة شقيقه عبد المجيد الأول في 25 يونيو 1861، ومكث في السلطة خمس عشرة عامًا حتى خلعه وزراؤه وسائر رجال الدولة في آخر مايو 1876 
 وتوفي بعدها بأربعة أيام وقيل انتحر وقيل أيضًا قد قتل. 
امتاز عهده بغنى الدولة بالرجال وبكثير من الإصلاحات التي تمت على يد صدريه محمد أمين عالي باشا وفؤاد باشا، الذين كسبا شهرة في التاريخ العثماني
ولم تبدأ مشاكل السلطنة بالتفاقم -والذي توّج بإعلان إفلاس الدولة عام 1875 - إلا بعد وفاتهما
 كما أنه السلطان العثماني الوحيد الذي قام بزيارات خارجية سياسية إلى مصر وإلى كلٍ من ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، ولم يشهد عهده أي حروب خارجية للدولة.

الدولة العثمانية(169)


اعتمدت الدولة العُثمانيَّة 
في العُقُود الأخيرة من حياتها نظامًا إداريًّا من أربعة مُستويات
 وجعلت التقسيم الإداري الأعلى فيها هو «الولاية» وجمعُها «ولايات»، مُستبدلةً التقسيم القديم الذي كان يجعل المُستوى الإداري الأوَّل هو «الإيالة» وجمعُها «إيالات»
 وكان الخطاب الرسمي العُثماني يُسمِّي ولايات الدولة 
«ولايات الممالك المحروسة الشاهانيَّة» (بالتُركيَّة العُثمانيَّة: ولايات ممالك محروسه شاهانيه) واختصارًا الممالك المحروسة
استُبدل نظام الإيالات بِنظام الولايات خِلال عهد التنظيمات في السلطنة العُثمانيَّة، وتحديدًا خِلال عهد السُلطان عبدُ العزيز خان بن محمود، الذي أصدر بِتاريخ 16 رمضان 1283هـ المُوافق فيه 21 يناير1867م «قانون نظام تشكيل الولايات»
 (بالتُركيَّة العُثمانيَّة: تشكيل ولايات نظام نامه سى).
 شُكِّلت أولى الولايات، وهي ولاية الطونة، بِموجب هذا القانون لِلتأكُّد من أنَّ تطبيقه مُمكن ويسير، وذلك بِرعاية المُصلح الكبير مدحت باشا الذي عُيِّن واليًا على تلك الناحية من الدولة. 
عُمِّم نظام الولايات على كافَّة أنحاء الدولة العُثمانيَّة تدريجيًّا حتَّى كانت سنة 1884م عندما حلَّ مكان نظام الإيالات بِشكلٍ كامل.
كانت الدولة العُثمانيَّة هي الدولة الإسلاميَّة الأولى في التاريخ التي تجعل لِولاياتها حُدودًا جُغرافيَّة واضحة ومرسومة، إذ أنَّ الدُول السابقة عليها كانت تستخدم مُصطلح «ولاية» لِوصف أي مدينةٍ أو إقليمٍ يُولَّى عليه شخص لِإدارة أُموره والنظر في أوضاع الأهالي ورفع تقاريره إلى الخليفة أو السُلطان أو الأمير. أمَّا الدولة العُثمانيَّة فجعلت الولاية هي التقسيم الإداري الأكبر حصرًا.
 قسَّم العُثمانيُّون كُل ولاية إلى أقسامٍ إداريَّةٍ أًصغر يُعرف كُلٌ منها بالـ«سنجق» وعلى رأسه «سنجقدار» أو «مُتصرِّف»
وكُل سنجق قُسِّم إلى «أقضية» على رأس كُلٌ منها «قائممقام»
 وكُل قضاء يُقسم إلى نواحٍ على رأس كُلٍ منها مُدير.

الدولة العثمانية(168)


معركة موهاتش 
==========
هي معركة وقعت بين جيشي الدولة العثمانية ومملكة المجر في 29 أغسطس 1526م). كان يقود قوات العثمانيين السلطان سليمان القانوني أما المجريون فكان يقودهم ملكهم لايوش الثاني (لويس الثاني). 
قدر عدد جنود الجيش العثماني بحوالي 100 ألف جندي وعدد من المدافع و800 سفينة
 قدرت أعداد الجيش المجري بنحو 50ألف مقاتل 
أدى انتصار العثمانيين في هذه المعركة إلى إحكام سيطرتهم على المجر وفتح عاصمتها بودابست والقضاء على ما كان يعرف باسم مملكة المجر.
 عانى العثمانيون كثيرا بعد فتح المدينة من غارات النصارى المتتالية عليها.
حتى هذا اليوم، يعتبر المجريون هزيمتهم في هذه المعركة شؤما عليهم ونقطة سوداء في تاريخهم. 
على الرغم من انقضاء أكثر من 400 عام إلا أن هناك مثل شائع لدى الهنجاريين «أسوأ من هزيمتنا في موهاكس»
 ويضرب عند التعرض لحظ سيء.
يقول المؤرخ الفرنسي " إرنست لافيس " يصف آثارَ تلك المعركة : 
" لم يشهد التاريخ حربًا كموهاج، حُسِمت نتيجتها على هذه الصورة في مصادمةٍ واحدة، ومحَت مستقبل شعبٍ كبير لعصورٍ طويلة.
سار السلطان سليمان من إسطنبول في (11 رجب 932هـ = 23 أبريل 1526 م) على رأس جيشه، الذي كان مؤلفًا من نحو مائة ألف جندي، وثلاثمائة مدفع وثمانمائة سفينة، حتى بلغ بلغراد، ثم تمكن من عبور نهر الطونة (الدانوب) بسهولة ويسر بفضل الجسور الكبيرة التي تم تشييدها، وبعد أن افتتح الجيش العثماني عدة قلاع حربية على نهر الطونة وصل إلى "وادي موهاكس" بعد 128 يومًا من خروج الحملة، قاطعًا 1000 كيلومتر من السير، وهذا الوادي يقع الآن جنوبي بلاد المجر على مسافة 185 كم شمال غربي بلغراد، و170 كم جنوبي بودابست. 
وكان في انتظاره الجيش المجري البالغ نحو خمسون ألف جندي، من بينهم 5000 من الوحدات المساعدة التي جاءت من ألمانيا
بالإضافة إلى وحدة صغيرة من القوات البولندية (1500 جندي وفارس) 
بقيادة القبطان الملكي لينارت غنويسكي 
(وكانت منظمة ومجهزة من قبل الدولة البابوية). 
 ويقود هذه الجموع الجرارة الملك "لايوش الثاني". 
حيث قام الصدر الاعظم إبراهيم باشا باعداد الخطة التي تتضمن انسحاب مقدمة العثمانيين 
وتراجعها حتى يندفع المجريون نحوهم فتحصدهم المدافع والقناصة العثمانيين.
وفي صباح يوم اللقاء الموافق (21 ذي القعدة 932هـ = 29 أغسطس 1526 م) دخل السلطان سليمان بين صفوف الجند بعد صلاة الفجر
 وخطب فيهم خطبة حماسية بليغة، وحثهم على الصبر والثبات
 ثم دخل بين صفوف فيلق الانكشارية وألقى فيهم كلمة حماسية وكان مما قاله لهم: "إن روح رسول الله صلى الله عليه وسلم تنظر إليكم
 فلم يتمالك الجند دموعهم التي انهمرت تأثرًا مما قاله السلطان.
وفي وقت العصر هجم المجريون على الجيش العثماني الذي اصطف على ثلاثة صفوف
 وكان السلطان ومعه إبراهيم باشا الفرنجي الصدر الاعظم ومعهم مدافعهم الجبارة، وجنودهم من الإنكشاريين في الصف الثالث
 فلما هجم فرسان المجر وكانوا مشهورين بالبسالة والإقدام أمر إبراهيم صفوفه الأولى بالتقهقر حتى يندفع المجريون إلى الداخل
 حتى إذا وصلوا قريبًا من المدافع
أمر إبراهيم بإطلاق نيرانها عليهم فحصدتهم حصدًا
 واستمرت الحرب ساعة ونصف الساعة في نهايتها أصبح الجيش المجري في حالة تقهقر 
 بعد أن غرق معظم جنوده في مستنقعات وادي موهاكس
 ومعهم الملك لايوش الثاني
 وسبعة من الأساقفة
 وجميع القادة الكبار
 ووقع في الأسر خمسة وعشرون ألفًا
في حين كانت خسائر العثمانيين ألف و خمسمائة قتيلا
 وبضعة آلاف من الجرحى.
كانت معركة موهاكس من المعارك النادرة في التاريخ
 حيث هُزم أحد أطرافها على هذا النحو من مصادمَة واحدة وفي وقت قليل لا يتجاوز ساعتين
 وترتب عليها ضياع استقلال المجر بعد ضياع جيشها على هذه الصورة في هزيمة مروعة، وبعد اللقاء بيومين في (23 من ذي القعدة 932 هـ= 31 من أغسطس 1526 م) قام الجيش العثماني بعمل استعراض أمام الخليفة سليمان، وقام بأداء التحية له وتهنئته، وقام القادة بدءًا من الصدر الأعظم بتقبيل يد الخليفة.
ثم تحرك الجيش نحو الشمال بمحاذاة ساحل الطونة الغربي حتى بلغ بودابست عاصمة المجر، فدخلها في (3 من ذي الحجة 932 هـ= 10 سبتمبر 1526 م)، ودخل المدينة بعيد الأضحى في سراي الملك، وكان قد احتفل بعيد الفطر في بلغراد في أثناء حملته. مكث الخليفة في المدينة ثلاثة عشر يومًا ينظم شئونها
 وعين جان "زابولي" أمير ترانسلفانيا ملكًا على المجر التي أصبحت تابعة للدولة العثمانية،
وعاد الخليفة إلى عاصمة بلاده بعد أن دخلت المجر للدولة العثمانية وتقلص نفوذ الملك الإسباني.

الدولة العثمانية(167)


حصار فيينا وقع سنة 935 للهجرة 1529 ميلادية في المرة الاولى وعام 1532 في المرة الثانية عندما أعد الخليفة سليمان القانوني جيشا إسلاميا بلغ زهاء 120 ألف مقاتل مدعمين بثلاثمئة مدفع لغزو النمسا وفتحها وجعلها ولاية عثمانية.
 مثل حصار فيينا أعظم دليل على قوة الدولة العثمانية وأقصى توسع لها في وسط أوروبا في أوج مجد الإمبراطورية تحت حكم السلطان سليمان القانونى. 
أيضا مثل هذا الحصار بداية مرحلة استمرت لمائة وخمسين عاما من الصراع بين الدولة العثمانية والإمبراطورية الرومانية المقدسة تخللتها العديد من الهجمات والمعارك والتى بلغت ذروتها في معركة فيينا سنة 1683 والتى بدأت الحرب التركية العظمى التى استمرت لخمسة عشر عاما
في سنة 932هـ وقعت معركة موهاج في المجر بين 60 ألف من مقاتلي الدولة العثمانية بقيادة الخليفة سليمان القانوني وبين 25000 من مقاتلي مملكة المجر تحت قيادة الملك لايوش الثاني وانتصر المسلمون انتصارا ساحقا في تلك المعركة التي دامت ساعتين وسقطت على إثرها المملكة التي كانت تشكل حصنالاوروبا المسيحية ورفعت أعلام العثمانين في العاصمة بودابست التي كانت تسمى بودا حينها وعين الخليفة الملك جان زابوليا ملكاً للمجر.
أرسل الملك زابوليا إلى الخليفة سليمان رسائل بأن أرشيدوق النمسا فرديناند يخطط لغزو المجر بعد اتفاقات عقدها سرا مع عدد من أمراء المجر يتولى بموجبها هو عرش المجر، قام فرديناند بمباشرة خطته واستولى على مقاطعة "بودين" وانتزعها من يد الملك جان زابوليا المعين من قبل العثمانيين، فهبت على الفور الجيوش العثمانية من القسطنطينية والتي بلغ تعدادها 100 ألف مقاتل بالتقدم نحو المجر لاستعادة بودين فتم لها ذلك وأعادوا زابوليا ملكا عليها وبعد المعركة فرّ الملك فرديناند إلى فيينا التي كانت تحرسها حامية تتكون من 20 ألف جندي
 أصر الخليفة على معاقبة فرديناند واتجه العثمانيون إلى فيينا وقاموا بتطويقها بـ 120 ألف جندي و300 مدفع لكنهم عجزوا عن فتحها
 بيد أنهم ألحقوا خسائر كبيرة بضواحيها والمزارع المحيطة
 طلب فرديناند من شقيقه الإمبراطور تشارلز المساعده لكنه لم يجب الإستغاثه وبعد 25 يوم انتهى الحصار وتوجهت بعض من قوات الجيش العثماني
 نحو ألمانيا ومهاجمة ملكها شارلكان بينما عاد معظم الجنود من أسوار فيينا بسبب قيام الصفويين بالاستيلاء على بغداد والسيطرة عليها فلزم الجيش العودة من فيينا لتحريرها.
وقعت معاهدة صلح واتفاق سلام بين الخصوم سنة 1553 بعد أن كان العثمانيون قد رفضوا التسوية من جانبهم في بادئ الأمر.
بسبب هذا الحصار قام أهل فيينا بخبز عجينة على شكل هلال الذي كان رمزاً للجيش العثماني
وكانوا يلتهمونها انتقاما لمدينتهم التي تعرضت لأذى العثمانيين
 أصبح اسم هذه العجينة حاليا كروسان
قام العثمانيون لاحقا، بعد أكثر من 150 عاما من الحصار
 بمحاولة ثانية لفتح المدينة عام 1683 لكنها باءت بالفشل لأنهم لم يحققوا الانتصار المرجو في معركة فيينا ولخيانة أحد حلفاء العثمانيين .
فشل العثمانيون في كلتا المرتين في فتح فيينا للعوامل التالية :
بُعد فيينا عن حاضرة الخلافة في اسطنبول وامتداد خطوط النقل وراء الجيش لمسافة طويلة .
رفض سليمان القانوني لطلبات صدره الاعظم إبراهيم باشا من إقامة مستودعات للطعام والسلاح بطول الطريق لإمدادات الجيش قبل الخروج للحملة خوفاً من سليمان من أن ينهبها النمساويون قبل خروج الجيش العثماني .
حلول فصل الشتاء اثناء الحصار وكانت الجنود العثمانية غير معتادة على القتال في مثل هذه الاجواء الصعبة .
سخط الجنود نتيجة طول فترة الحملة وبعدهم عن العاصمة ولانتشار الامراض بينهم .
قلق العثمانيين من احتمال وصول امدادات من قبل شارلكان شقيق فرديناند وعدم قدرتهم على مواجهة تلك القوات في ظل ظروفهم الصعبة .
التطورات التى حصلت في الشرق من قبل الصفويين لمهاجمتهم بغداد وقتلهم وإلى بدليس حيث أجبرت تلك التطورات سليمان القانوني على سحب القوات إلى العاصمة وإعادة تجهيزها لمواجهة اى غزو محتمل للأناضول من قبل الصفويين .

الدولة العثمانية(166)

الحرب التركية العظمى أو حرب الحلف المقدس إلى مجموعة من الصراعات بين الدولة العثمانية والقوى الأوروبية المعاصرة لها، والتي انضمت في الحلف المقدس (1684)، في أواخر حقب القرن السابع عشر.
بعد ثورة بوهدان خملنيتسكي  عندما سيطرت روسيا القيصرية على أجزاء من أوكرانيا الشرقية من الكومنولث البولندي اللتواني، بقى بعض القوزاق في الجنوب الشرقي للكومنولث. 
وقد رغب قائدهم، بيترو دوروشينكو  في ربط ما بقي من أوكرانيا مع الإمبراطورية العثمانية، حيث أطلق شرارة ثورة ضد هيتمان (قائد الجيش البولندي) جون سوبيسكي الثالث 
وقام السلطان محمد الرابع، الذي أدرك أن الكومنولث البولندي اللتواني أصبح ضعيفًا بسبب الصراعات الداخلية، قام بمهاجمة كاميانتيس بوديلسكي  وهي مدينة كبيرة تقع على الحدود.
وقد قاومت القوة البولندية الصغيرة حصار كيمينتس على مدار أسبوعين، لكنها اضطرت للاستسلام.
 فقد كان الجيش البولندي صغيرًا للغاية بحيث لا يمكنه مقاومة الغزو العثماني، ولم يتمكن من تحقيق إلا أقل القليل من الانتصارات التكتيكية. وبعد ثلاثة أشهر، تم إجبار البولنديين على توقيع معاهدة بوتشاش
 والتي وافقوا فيها على تسليم كاميانتيس بوديلسكي وبودوليا ودفع الجزية للسلطان العثماني.
وعندما وصلت أخبار الهزيمة وشروط الاتفاقية إلى وارسو، رفض مجلس النواب دفع الجزية وقاموا بتجهيز جيش ضخم تحت قيادة جان سوبيسكي 
 وانتصر بعدها البولنديون في معركة خوتين  1673.
 وبعد وفاة الملك مايكل في عام 1673، تم انتخاب جان سوبيسكي ملكًا لبولندا، وحاول بعد ذلك التغلب على العثمانيين على مدار أربع سنوات، لكنه لم يحقق أي نجاح يذكر. وانتهت الحرب في السابع عشر من أكتوبر عام 1676 بتوقيع اتفاقية زوراونو 
 والتي استعاد الأتراك من خلالها السيطرة على كاميانتيس بوديلسكي.
 وقد أدى هذا الهجوم التركي كذلك في عام 1676 إلى بداية الحروب الروسية التركية.
بعد سنوات عديدة عم فيها السلام، هاجمت الإمبراطورية العثمانية إمبراطورية هابسبورج.
 وكان الأتراك على وشك إسقاط فيينا
إلا أن جون سوبيسكي الثالث قاد تحالفًا مسيحيا تمكن من هزيمة الأتراك في موقعة فيينا، هذه الهزيمة التي أوقفت التوسع العثماني في جنوب شرق أوروبا.
وتم تأسيس حلف مقدس جديد على يد البابا إنوسينت الحادي عشر 
واشتمل على الامبراطورية الرومانية المقدسة 
(التي كان يأتي على رأسها هابسبوج النمسا)
 واتحاد دولتي بولندا وليتوانيا والجمهورية الفينيسية في عام 1684
وانضمت إليهم روسيا في عام 1686. 
ولاقى السلطان في موقعة موهاج الثانية هزيمة ساحقة. 
وحقق الأتراك نجاحات رائعة على الجبهة البولندية وتمكنوا من استرداد بودوليا أثناء المعارك مع اتحاد دولتي بولندا وليتوانيا.
وقد كانت مشاركة روسيا هي أول مرة تنضم فيها تلك الدولة إلى تحالف يضم قوى أوروبية. 
وقد كان ذلك بمثابة البداية لسلسلة من الحروب الروسية التركية، التي استمرت حتى القرن العشرين.
 ونتيجة لحملات القرم وحملات آزوف، تمكنت روسيا من انتزاع الحصن العثماني الرئيسي آزوف.
وبعد معركة زينتا الحاسمة والمناوشات الأصغر التي وقعت في عام 1697 (مثل معركة بوهاجسي في عام 1698)
 تمكن الحلف من تحقيق الانتصار في عام 1699، وأجبر الامبراطورية العثمانية على توقيع معاهدة كارلوفجة.
 وتنازل العثمانيون عن معظم أراضي المجر وترانسلفانيا وسلافونيا لإمبراطورية هابسبورج في حين عادت بودوليا إلى بولندا. وتمت إعادة معظم دالاماتيا 
 إلى فينيس، بالإضافة إلى موريا 
 شبه جزيرة البيلوبونيز والتي أعاد العثمانيون احتلالها في عام 1715 ثم استعادوها من خلال معاهدة باساروفيتز  عام 1718.


الدولة العثمانية(165)


رجل أوروبا المريض هو اللقب الذي إشتهرت به الدولة العثمانية منذ منتصف القرن التاسع عشر. 
ويرجع سبب ذلك إلى الهزائم التى تكبدتها الدولة العثمانية من الدول الأوروبية وأفقدتها الكثير من أراضيها
 فذهبت مهابتها ومكانتها بين الدول وأخذت الدول الأوروبية تخطط فيما بينها لإقتسام أملاكها الممتدة على ثلاث قارات.
اسم أطلقه قيصر روسيا نيكولاي الأول على الدولة العثمانية سنة 1853 م بسبب ضعفها
 ودعا بريطانيا أن تشترك معه في اقتسام أملاك الدولة 
 ثم شاع هذا الاسم بعد ذلك
و استعملته الدول الأوربية الأخرى.
كانت الدولة العثمانية إحدى القوى العظمى في العالم في الفترة الممتدة بين منتصف القرن الخامس عشر وبين نهايات القرن السابع عشر
 فكانت مارداً أرعب الدول والشعوب الأوروبية وإمتلكت جيشاً هو الأقوى في العالم وبحرية مهابة. 
وبعد وفاة السلطان سليمان القانوني 1566 بدأ الضعف يتسرب إليها تدريجياً وتولى أمرها سلاطين ضعاف فاقدين للطموح يريدون الحفاظ فقط على ما يملكوه
 وإستغل رجال الدولة ضعف السلاطين فنزعوا إلى الإستبداد بإمورهم 
وتلقي الرشاوى وسرقة الدولة
 ونزعت تشكيلات الإنكشارية إلى التدخل في الشئون السياسية وفرض الأتاوات على الناس والقعود عن الجهاد وإعلاء راية الدين.
 فكانت النتيجة أن بدأت الدولة تتلقى الهزائم الواحدة تلو الأخرى وتتغافل عن التطور الذي وصلت له الدول الأوروبية. 
وكانت فاتحة ذلك هزيمتها القاسية في الحرب التركية العظمى وإضطرارها إلى التوقيع على معاهدة كارلوفجة التي تخلت فيها عن أجزاء كبيرة من أراضيها لصالح القوى الأوروبية. 
فزالت مهابة الدولة العثمانية من قلوب أعدائها وظهر لاحقاً مصطلح المسألة الشرقية حيث أصبحت القوى الأوروبية تسعى جدياً لإخراج الدولة العثمانية من أوروبا وتتنافس فيما بينها على اقتسام ممتلكات الدولة العثمانية الواسعة.

الدولة العثمانية(164)

41-محمدالفاتح
قاد السلطان حملة لم يحدد وجهتها، لأنه كان شديد الحرص على عدم كشف مخططاته العسكرية حتى لأقرب وأعز قواده. 
وقد قال في هذا الصدد عندما سئل مرة: "لو عرفته شعرة من لحيتي لقلعتها"
 لكن المؤرخون يخمنون بأنها كانت إلى إيطاليا.
 عرض أهل البندقية على طبيبه الخاص "يعقوب باشا" أن يقوم هو باغتياله، ولم يكن يعقوب مسلما عند الولادة فقد ولد بإيطاليا، وقد ادعى الهداية، وأسلم.
 بدأ يعقوب يدس السم تدريجيا للسلطان، ولكن عندما علم بأمر الحملة زاد جرعة السم. وتوفى السلطان في يوم 3 مايو عام 1481م، الموافق 4 ربيع الأول سنة 886هـ عن ثلاث وخمسين سنة
 ومدة حكمه 31 عاما، قضاها في حروب متواصلة للفتح وتقوية الدولة وتعميرها، وأتم في خلالها مقاصد أجداده، ففتح القسطنطينية وجميع ممالك وأقاليم آسيا الصغرى والصرب والبشناق وألبانيا، وحقق كثيرا من المنجزات الإدارية الداخلية التي سارت بدولته على درب الازدهار ومهدت الطريق أمام السلاطين اللاحقين ليركزوا على توسيع الدولة وفتح أقاليم جديدة. 
ومن مآثره أيضا وضعه أول مبادئ القانون المدني وقانون العقوبات
 فأبدل العقوبات البدنية
 أي العين بالعين والسنّ بالسنّ
 وجعل عوضها الغرامات النقدية بكيفية واضحة أتمها السلطان سليمان القانوني لاحقا.
وقد انفضح أمر يعقوب فيما بعد، فأعدمه حرس السلطان. 
 وصل خبر موت السلطان إلى البندقية بعد 16 يوما
 جاء الخبر في رسالة البريد السياسي إلى سفارة البندقية في القسطنطينية
 واحتوت الرسالة على هذه الجملة "لقد مات العقاب الكبير". 
انتشر الخبر في البندقية ثم إلى باقي أوروبا
 وراحت الكنائس في أوروبا تدق أجراسها لمدة ثلاثة أيام بأمر من البابا.

الدولة العثمانية(163)

40-محمدالفاتح
تزوج السلطان محمد الفاتح بعدد من النساء، كانت أولهن والدة ولي العهد،  "أمينة وردة الربيع"، وهي من الروم الأرثوذكس
نبيلة الجذور من قرية "دوفيرا" في طرابزون
توفيت عام 1492، وهي والدة السلطان بايزيد الثاني.
كذلك اتخذ السلطان زوجة من كل من "السلطانة گيفر"؛ "غولشان خاتون"؛ "ستّي مكرم خاتون"؛ "خاتون شيشك"؛ "هيلانة خاتون"، ابنة أحد الملوك الروم المتوفاة عام 1481، و"حنة خاتون" ابنة إمبراطور طرابزون، التي تزوجها السلطان لفترة قصيرة؛ و"خاتون أليكسياس"، إحدى الأميرات البيزنطيات. 
وكان للسلطان ابن أخر هو "جم" المعروف بالغرب باسم "زيزيم"، والذي توفي سنة 1495.
كان السلطان محمد الفاتح على عقيدة أهل السنة من الماتريدية،
 حيث طلب السلطان محمد الفاتح من أستاذه الإمام المولى خضر بك الحنفي الماتريدي أن يكتب له عقيدة، فكتب له عقيدة اسمها (جواهر العقائد) وهي قصيدة نونية معروفة بـ (عجالة ليلة أو ليلتين) لقوله في أولها:
ألا أيها السلطان نظمي عجالة ليلة أو ليلتين
وهذه القصيدة منسوجة على مذهب الماتريدية، وهي مؤلفة من أزيد من مائة بيت من الشعر، كتبها له في ظرف ليلة أو ليلتين فقط.
والسلطان محمد الفاتح كان حنفي المذهب الفقهي، صوفي المسلك
 أولى أتباع الطريقة النقشبندية بالغ اهتمامه؛ حينما كانوا يعيشون بعيداً عن مناطق حكمه، فقام بدعوة كبار شيوخهم من أمثال نور الدين عبد الرحمن الجامي وعبيد الله أحرار، وأمر بحمايتهم، وتولى رعايتهم ليعاونوه ضد التهديد الشيعي من جانب الإيرانيين، والحد من نشر عقائدهم بين الترك أهل السنة.

الدولة العثمانية(162)

39-محمدالفاتح
إن إقامة العدل بين الناس كان من واجبات السلاطين العثمانيين، وكان السلطان محمد شأنه في ذلك شأن من سلف من آبائه – شديد الحرص على إجراء العدالة في أجزاء دولته، ولكي يتأكد من هذا الأمر كان يرسل بين الحين والحين إلى بعض رجال الدين من النصارى بالتجوال والتطواف في أنحاء الدولة
 ويمنحهم مرسوماً مكتوباً يبين مهمتهم وسلطتهم المطلقة في التنقيب والتحري والاستقصاء لكي يطلعوا كيف تساس أمور الدولة وكيف يجري ميزان العدل بين الناس في المحاكم
 وقد أعطى هؤلاء المبعوثون الحرية الكاملة في النقد وتسجيل ما يرون ثم يرفعون ذلك كله إلى السلطان.
كانت تقرير هؤلاء المبعوثين المسيحيين تشيد دائماً بحسن سير المحاكم وإجراء العدل بالحق والدقة بين الناس بدون محاباة أو تمييز
 وكان السلطان الفاتح عند خروجه إلى الغزوات يتوقف في بعض الأقاليم وينصب خيامه ليجلس بنفسه للمظالم ويرفع إليه من شاء من الناس شكواه ومظلمته.
 اعتنى الفاتح بوجه خاص برجال القضاء الذين يتولون الحكم والفصل في أمور الناس، فلا يكفي في هؤلاء أن يكونوا من المتضلعين في الفقه والشريعة والاتصاف بالنزاهة والاستقامة 
وحسب بل لا بد إلى جانب ذلك أن يكونوا موضع محبة وتقدير بين الناس، وأن تتكفل الدولة بحوائجهم المادية حتى تسد طرق الإغراء والرشوة
 فوسع لهم الفاتح في عيشهم كل التوسعة، وأحاط منصبهم بحالة مهيبة من الحرمة والقداسة والحماية. 
أما القاضي المرتشي فلم يكن له عند الفاتح من جزاء غير القتل.
كان السلطان الفاتح 
 برغم اشتغاله بالجهاد والغزوات 
 إلا أنه كان يتتبع كل ما يجري في أرجاء دولته بيقظة واهتمام، وأعانه على ذلك ما حباه الله من ذكاء قوي وبصيرة نفاذة وذاكرة حافظة وجسم قوي
 وكان كثيراً ما ينزل بالليل إلى الطرقات والدروب ليتعرف على أحوال الناس بنفسه ويستمع إلى شكاواتهم بنفسه
 كما ساعده على معرفة أحوال الناس جهاز أمن الذي كان يجمع المعلومات والأخبار التي لها علاقة بالسلطنة وترفع إلى السلطان الذي كان يحرص على دوام المباشرة لأحوال الرعية
وتفقد أمورها والتماس الإحاطة بجوانب الخلل في أفرادها وجماعاتها.

الدولة العثمانية(161)

38-محمدالفاتح
تميز عصر السلطان محمد الفاتح بجانب قوة الجيش البشرية وتفوقه العددي، بإنشاءات عسكرية عديدة متنوعة فأقام دور الصناعة العسكرية 
لسد احتياجات الجيش من
 الملابس 
السروج 
الدروع 
مصانع الذخيرة 
الأسلحة 
وأقام القلاع 
الحصون 
في المواقع ذات الأهمية العسكرية
 وكانت هناك تشكيلات متنوعة في تمام الدقة وحسن التنظيم من 
فرسان 
مشاة 
مدفعية 
فرق مساعدة تمد القوات المحاربة 
بما تحتاجه من وقود وغذاء وعلف للحيوان
 وإعداد صناديق الذخيرة حتى ميدان القتال.
كان هناك صنف من الجنود يسمى
 "لغمجية"
 وظيفته الحفر للألغام 
وحفر الأنفاق تحت الأرض
 أثناء محاصرة القلعة المراد الاستيلاء عليها 
وكذلك السقاؤون كان عليهم تزويد الجنود بالماء.
 تطورت الجامعة العسكرية في زمن الفاتح 
وأصبحت تخرج الدفعات المتتالية من
 المهندسين 
الأطباء 
البيطريين 
علماء الطبيعيات 
المساحات
وكانت تمد الجيش بالفنيين المختصصين.
 استحق معه أن يعده المؤرخون مؤسس الأسطول البحري العثماني
 ولقد استفاد من الدول التي وصلت إلى مستوى رفيع في صناعة الأساطيل مثل الجمهوريات الإيطالية 
خاصة البندقية 
جنوة
 أقوى الدول البحرية في ذلك الوقت

الدولة العثمانية(160)

37-محمدالفاتح
عمل السلطان محمد الفاتح على تطوير دولته؛ ولذلك سن قوانين حتى يستطيع أن ينظم شؤون الإدارة المحلية في دولته
 وكانت تلك القوانين مستمدة من الشريعة الإسلامية. 
وضع السلطان الفاتح أنظمة جديدة سار عليها من جاء بعده
فأطلق على الحكومة العثمانية اسم "الباب العالي" 
وجعل لها أربعة أركان
 هم الصدر الأعظم 
قاضي العسكر 
الدفتردار 
النيشانجي.
شكل السلطان محمد لجنة من خيار العلماء لتشرف على وضع "قانون نامه"
 المستمد من الشريعة  وجعله أساساً لحكم دولته
 وكان هذا القانون مكوناً 
من ثلاثة أبواب يتعلق بمناصب الموظفين 
وببعض التقاليد 
وما يجب أن يتخذ من التشريفات 
والاحتفالات السلطانية
 وهو يقرر كذلك العقوبات والغرامات
 ونص صراحة على جعل الدولة حكومة إسلامية قائمة على تفوق العنصر الإسلامي أياً كان أصله وجنسه
 وقد استمرت المبادئ الأساسية لهذا القانون سارية المفعول في الدولة العثمانية حتى عام 1839م، الموافق لعام 1255هـ.
اهتم محمد الفاتح بوضع القوانين التي تنظم علاقة السكان من غير المسلمين بالدولة ومع جيرانهم من المسلمين
ومع الدولة التي تحكمهم وترعاهم
 وأشاع العدل بين رعيته
وجدّ في ملاحقة اللصوص وقطاع الطرق
وأجرى عليهم أحكام الإسلام، فاستتب الأمن وسادت الطمأنينة في ربوع الدولة العثمانية. 
وعندما كانت الدولة تعلن الجهاد وتدعوا أمراء الولايات وأمراء الألوية
 كان عليهم أن يلبوا الدعوة ويشتركوا في الحرب بفرسان يجهزونهم تجهيزاً تاماً، وذلك حسب نسب مبينة
 فكانوا يجهزون فارساً كامل السلاح قادراً على القتال عن كل خمسة آلاف آقجه من إيراد اقطاعه
 فإذا كان إيراد إقطاعه خمسمائة ألف آقجة مثلاً كان عليه أن يشترك بمائة فارس
وكان جنود الإيالات مؤلفة من مشاة وفرسان
 وكان المشاة تحت قيادة وإدارة باشوات الإيالات وبكوات الألوية. 
قام محمد الفاتح بحركة تطهير واسعة لكل الموظفين القدماء غير الأكفاء وجعل مكانهم الأكفاء
واتخذ الكفائة وحدها أساساً في اختيار رجاله ومعاونيه وولاته.

الدولة العثمانية(159)

36-محمدالفاتح
اهتم السلطان محمد الفاتح بالتجارة الصناعة وعمل على إنعاشهما بجميع الوسائل والعوامل والأسباب.
وكان العثمانيون على دراية واسعة بالأسواق العالمية، وبالطرق البحرية والبرية وطوروا الطرق القديمة، وأنشؤوا الجسور الجديدة مما سهل حركة التجارة في جميع أجزاء الدولة، واضطرت الدول الأجنبية لمسايسة الدولة العثمانية ليمارس رعاياها حرفة التجارة في الموانئ المهمة العديدة في ظل الراية العثمانية.
 كان من أثر السياسة العامة للدولة في مجال التجارة والصناعة أن عم الرخاء وساد اليسر والرفاهية في جميع أرجاء الدولة
وأصبحت للدولة عملتها الذهبية المتميزة، ولم تهمل الدولة إنشاء دور الصناعة ومصانع الذخيرة والأسلحة
 وأقامت القلاع والحصون في المواقع ذات الأهمية العسكرية في البلاد.

الدولة العثمانية(158)

35-محمدالفاتح
كان السلطان محمد الفاتح مغرماً ببناء المعاهد والقصور والمستشفيات والخانات والحمامات والأسواق الكبيرة والحدائق العامة
 وأدخل المياه إلى المدينة بواسطة قناطر خاصة. 
شجع الوزراء وكبار رجال الدولة والأغنياء والأعيان على تشييد المباني وإنشاء الدكاكين والحمامات وغيرها من المباني التي تعطي المدن بهاء ورونقاً، واهتم بالعاصمة "إسلامبول" اهتماماً خاصاً
 وكان حريصاً على أن يجعلها "أجمل عواصم العالم" و"حاضرة العلوم والفنون".
كثر العمران في عهد الفاتح وانتشر
 واهتم بدور الشفاء، ووضع لها نظاماً مثالياً في غاية الروعة والدقة والجمال
فقد كان يعهد بكل دار من هذه الدور إلى طبيب – ثم زيد إلى اثنين – من حذاق الأطباء من أي جنس كان
 يعاونهما كحال وجراح وصيدلي وجماعة من الخدم والبوابين
وكان يُشترط في جميع المشتغلين بالمستشفى أن يكونوا من ذوي القناعة والشفقة والإنسانية
 ووجب على الأطباء أن يعودوا المرضى مرتين في اليوم
وأن لاتصرف الأدوية للمرضى إلا بعد التدقيق من إعدادها
 وكان يشترط في طباخ المستشفى أن يكون عارفاً بطهي الأطعمة والأصناف التي توافق المرضى منها
 وكان العلاج والأدوية في هذه المستشفيات بالمجان ويدخلها جميع الناس بدون تمييز بين أجناسهم وأديانهم.
ولعلّ أبرز أثار السلطان العمرانية هو قصر الباب العالي الذي أمر بالبدء ببنائه قرابة عقد الستينات من القرن الخامس عشر، إضافة إلى مسجده الذي حمل اسمه، وآيا صوفيا بطبيعة الحال التي أمر بتحويلها من كنيسة إلى مسجد.

الدولة العثمانية(157)

34-محمدالفاتح
كان شاعراً مجيداً مهتماً بالأدب عامة والشعر خاصة، وكان يصاحب الشعراء ويصطفيهم
واستوزر الكثير منهم، وكان في بلاطه ثلاثون شاعراً يتناول كل منهم راتباً شهرياً قدره ألف درهم، وكان مع هذا ينكر على الشعراء التبذل والمجون والدعارة ويعاقب من يخرج عن الآداب بالسجن أو يطرده من بلاده.
 وكان الفاتح يكتب أشعاره باسم "عوني"، ويُعدّ أوّل شاعر سلطاني اتخذ لنفسه اسمًا مستعارًا.
 وللفاتح ديوان باللغة التركية معظمه في الغزل.
أتقن اللغة اليونانية وست لغات أخرى عندما كان بلغ من العمر 21 عاماً، أي في السنة التي فتح فيها القسطنطينية
وأمر بنقل كثير من الآثار المكتوبة باليونانية واللاتينية والعربية والفارسية إلى اللغة التركية
 ونقل إلى التركية كتاب التصريف في الطب للزهراوي
وعندما وجد كتاب بطليموس في الجغرافيا وخريطة له طلب من العالم الرومي "جورج أميروتزوس" وابنه أن يقوما بترجمته إلى العربية وإعادة رسم الخريطة باللغتين العربية واليونانية وكافأهما على هذا العمل بعطايا واسعة
 وقام العلامة القوشجي بتأليف كتاب بالفارسية ونقله للعربية وأهداه للفاتح.
كما كان مهتماً باللغة العربية فقد طلب من المدرسين بالمدارس الثماني أن يجمعوا بين الكتب الستة في تدريسهم وبين علم اللغة كالصحاح
ودعم الفاتح حركة الترجمة والتأليف لنشر المعارف بين رعاياه بالإكثار من نشر المكاتب العامة وأنشأ له في قصره خزانة خاصة احتوت على غرائب الكتب والعلوم وكان بها اثنا عشر ألف مجلد عندما احترقت.

الدولة العثمانية(156)

33-محمدالفاتح
قرّب العلماء ورفع قدرهم وشجعهم على العمل والإنتاج وبذل لهم الأموال ووسع لهم في العطايا والمنح والهدايا وكرّمهم غاية الإكرام، ولما هزم "أوزون حسن"، أمر السلطان بقتل جميع الأسرى إلا من كان من العلماء وأصحاب المعارف ليستفاد منهم.
كان من مكانة الشيخ "أحمد الكوراني" أنه كان يخاطب السلطان باسمه ولا ينحني له، ولا يقبل يده بل يصافحه مصافحة، وكان لا يأتي إلى السلطان إلا إذا أرسل إليه، وكان يقول له:
 "مطعمك حرام وملبسك حرام فعليك بالاحتياط".
 وكذلك بالنسبة للشيخ "آق شمس الدين" الذي درّس السلطان محمد الفاتح العلوم الأساسية في ذلك الزمن وهي القرآن الكريم والسنة النبوية والفقه والعلوم الإسلامية واللغات العربية، والفارسية والتركية وكذلك في مجال العلوم العلمية من الرياضيات والفلك والتاريخ والحرب
 وكان الشيخ آق ضمن العلماء الذين أشرفوا على السلطان محمد عندما تولى إمارة "أماسيا" ليتدرب على إدارة الولاية، وأصول الحكم. 
واستطاع الشيخ آق شمس الدين أن يقنع الأمير الصغير بأنه المقصود بالحديث النبوي:
 "لتفتحن القسطنطينية ولنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش".
وكان الشيخ آق شمس الدين أول من ألقى خطبة الجمعة في مسجد آيا صوفيا.
وكان السلطان محمد الفاتح يحب شيخه شمس الدين حباً عظيماً
 وكانت له مكانة كبيرة في نفسه وقد بين السلطان لمن حوله بعد الفتح:
 "إنكم ترونني فرحاً، فرحي ليس فقط لفتح هذه القلعة إن فرحي يتمثل في وجود شيخ عزيز الجانب، في عهدي، هو مؤدبي الشيخ آق شمس الدين".
 وعبّر السلطان عن مهابته لشيخه في حديث له مع وزيره "محمود باشا"
 حيث قال: 
"إن احترامي للشيخ آق شمس الدين، احترام غير اختياري.
 إنني أشعر وأنا بجانبه بالانفعال والرهبة".

الدولة العثمانية(155)

32-محمدالفاتح
كان السلطان محباً للعلم والعلماء، لذلك اهتم ببناء المدارس والمعاهد في جميع أرجاء دولته، وفاق أجداده في هذا المضمار، وبذل جهوداً كبيرة في نشر العلم وإنشاء دور التعليم، وأدخل بعض الإصلاحات في نظام التعليم وأشرف على تهذيب المناهج وتطويرها، وحرص على نشر المدارس والمعاهد في كافة المدن والقرى وأوقف عليها الأوقاف العظيمة.
وقام بتنظيم هذه المدارس وترتيبها على درجات ومراحل، ووضع لها المناهج، وحدد العلوم والمواد التي تُدرّس في كل مرحلة، ووضع لها نظام الامتحانات الدقيقة للانتقال للمرحلة التي تليها، وكان ربما يحضر امتحانات الطلبة ويزور المدارس ولا يأنف من سماع الدروس التي يلقيها الأساتذة، ولا يبخل بالعطاء للنابغين من الأساتذة والطلبة، وجعل التعليم في كافة مدارس الدولة بالمجان
 وكانت المواد التي تدرس في تلك المدارس: 
التفسير 
الحديث 
الفقه 
الأدب 
البلاغة 
علوم اللغة 
الهندسة
أنشأ بجانب مسجده الذي بناه بالقسطنطينية ثمان مدارس على كل جانب من جوانب المسجد يتوسطها صحن فسيح، وفيها يقضي الطالب المرحلة الأخيرة من دراسته، وألحقت بهذه المدارس مساكن الطلبة ينامون فيها ويأكلون طعامهم ووضعت لهم منحة مالية شهرية
 وأنشأ بجانبها مكتبة خاصة وكان يُشترط في الرجل الذي يتولى أمانة هذه المكتبة أن يكون من أهل العلم والتقوى متبحراً في أسماء الكتب والمؤلفين
 وكانت مناهج المدارس تتضمن نظام التخصص
 فكان العلوم النقلية والنظرية قسم خاص 
العلوم التطبيقية قسم خاص أيضاً.

الدولة العثمانية(154)

31-محمدالفاتح
وفي هذا الحين كان قد أرسل أسطولاً بحرياً آخر لفتح جزيرة رودوس، التي كانت مركز رهبنة القديس "يوحنا الأورشليمي"، وكان رئيسها آنذاك "بيير دو بوسون" الفرنسي الأصل، وكانت الحرب قائمة بينه وبين سلطان مصر وباي تونس، فاجتهد في إبرام الصلح معهما ليتفرغ لصدّ هجمات الجيوش العثمانية.
 وكانت هذه الجزيرة محصنة تحصيناً منيعاً، وابتدأ العثمانيون حصارها في يوم 23 مايو سنة 1480م، الموافق 13 ربيع الأول سنة 885هـ
 وظلّت المدافع تقذف عليها القنابل الحجرية تهدّم أسوارها
 لكن كان يُصلح سكانها في الليل كل ما تخربه المدافع في النهار
 ولذلك استمر حصارها ثلاثة أشهر حاول العثمانيون خلالها الاستيلاء على أهم قلاعها، واسمها قلعة القديس نيقولا، بدون جدوى.
 وفي يوم 28 يوليو سنة 1480م، الموافق 20 جمادى الأولى سنة 885هـ، أمر القائد العام بالهجوم على القلعة ودخولها من الفتحة التي فتحتها المدافع في أسوارها، فهجمت عليها الجيوش وقاوم المدافعون 
 وبعد أخد وردّ، تقهقر العثمانيون بعد أن قُتل وجُرح منهم كثيرون
 ورفع الباقون عنها الحصار.

الدولة العثمانية(153)

30-مححمدالفاتح
بعد أن تم الصلح مع البنادقة، وُجهت الجيوش إلى بلاد المجر لفتح إقليم ترانسلفانيا، فقهرها "كينيس" كونت مدينة "تمسوار" بالقرب من مدينة "كرلسبرغ" في 13 أكتوبر سنة 1476
 وقُتل في هذه الموقعة كثير من العثمانيين وارتكب المجر فظائع وحشية بعد الانتصار فقتلوا جميع الأسرى ونصبوا موائدهم على جثثهم.
 وفي سنة 1480 فُتحت جزر اليونان الواقعة بين بلاد اليونان وإيطاليا، وبعدها سار أمير البحر كدك أحمد باشا بمراكبه لفتح مدينة أوترانت بجنوب إيطاليا
 التي كان عزم السلطان على فتحها جميعها. 
ويُقال أنه أقسم بأن يربط حصانه في كنيسة القديس بطرس بمدينة روما
مقر البابا، ففُتحت أوترانت عنوة في يوم 11 أغسطس سنة 1480م، الموافق 4 جمادى الثانية سنة 885هـ

الدولة العثمانية(152)

29-محمدالفاتح
في سنة 1477 أغار السلطان على بلاد البنادقة ووصل إلى إقليم "فريولي" بعد أن مرّ بإقليميّ "كرواتيا" و"دالماسيا"، فخاف البنادقة على مدينتهم الأصلية وأبرموا الصلح معه تاركين له مدينة "كرويا"، التي كانت عاصمة "اسكندر بك" الشهير، فاحتلها السلطان ثم طلب منهم مدينة "إشقودره"، ولمّا رفضوا التنازل عنها إليه حاصرها وأطلق عليها مدافعه ستة أسابيع متوالية بدون أن يُضعف قوّة سكانها وشجاعتهم فتركها لفرصة أخرى وفتح ما كان حولها للبنادقة من البلاد والقلاع حتى صارت مدينة "إشقودره" منفصلة كليّا عن باقي بلاد البنادقة، وكان لا بد من فتحها بعد قليل لعدم إمكان وصول المدد إليها، ولذا فضّل البنادقة أن يبرموا صلحاً جديداً مع السلطان ويتنازلوا عن "إشقودره" مقابل بعض الامتيازات التجارية.
وتمّ الصلح بين الفريقين على ذلك وأمضيت به بينهما معاهدة في يوم 28 يناير سنة 1479م، الموافق 5 ذو القعدة سنة 883هـ، وكانت هذه أول خطوة خطتها الدولة العثمانية للتدخل في شؤون أوروبا
إذ كانت جمهورية البندقية حينذاك أهم دول أوروبا لا سيما في التجارة البحرية
 وما كان يُعادلها في ذلك إلا جمهورية جنوة.

الدولة العثمانية(151)

28-محمدالفاتح
ولما بلغ خبر هذه الهزيمة آذان السلطان عزم على فتح بلاد القرم حتى يستعين بفرسانها المشهورين في القتال على محاربة البغدان.
وكان لجمهورية جنوة مستعمرة في شبه جزيرة القرم، هي مدينة "كافا"، فأرسل السلطان إليها أسطولا بحريّا، ففتحها بعد حصار ستة أيام، وبعدها سقطت جميع الأماكن التابعة لجمهورية جنوة. 
وبذلك صارت جميع شواطئ القرم تابعة للدولة العثمانية ولم يُقاومها التتار النازلون بها
 ولذلك اكتفى السلطان بفرض الجزية عليها.
وبعد ذلك فتح الأسطول العثماني ميناء آق كرمان ومنها أقلعت السفن الحربية إلى مصاب نهر الدانوب لإعادة الكرّة على بلاد البغدان
 بينما كان السلطان يجتاز نهر الدانوب من جهة البر بجيش عظيم
 فتقهقر أمامه جيش البغدان
 على الرغم من صدّه لعدّة هجمات عثمانية بنيرانه،
 لعدم إمكانية المحاربة في السهول، وتبعه الجيش العثماني حتى إذا أوغل خلفه في غابة كثيفة يجهل مفاوزها
 انقض عليه الجيش البغداني
 فاشتبك مع قوات الإنكشارية التي هزمته شر هزيمة، في معركة أطلق عليها اسم معركة الوادي الأبيض فانسحب "أسطفان الرابع" إلى أقصى شمال غربي بلاده، والبعض يقول أنه لجأ إلى المملكة البولندية
 حيث أخذ يجمع جيشا جديدا.
 ولم يستطع السلطان محمد فتح الحصون الرئيسية البغدانية بسبب المناوشات الصغيرة المستمرة التي تعرض لها الجيش العثماني من قبل الجنود البغدان
ولانتشار المجاعة ثم الطاعون بين أفراد الجيش
 مما اضطر السلطان لأن يسحب قواته ويعود إلى القسطنطينية دون فتح البلاد.

الدولة العثمانية(150)

27-محمدالفاتح
في سنة 1475 أراد السلطان فتح بلاد البغدان، وهي المنطقة الشرقية من رومانيا المتاخمة لحدود روسيا والمعروفة أيضاً باسم "مولدوفا"، فأرسل إليها جيشاً بعد أن عرض دفع الجزية على أميرها المسمى "أسطفان الرابع" ولم يقبل. 
وقعت معركة عنيفة بين الطرفين بتاريخ 10 يناير من نفس العام عُرفت بمعركة "فاسلوي"
 كنية بالمدينة القريبة من الموقع.
 وصل عدد الجنود العثمانيين إلى 120,000 جندي
 بينما بلغ عدد الجنود البغدان 40,000 جندي
 بالإضافة إلى بعض القوات المتحالفة الأصغر حجما وبعض المرتزقة.
 وبعد قتال عنيف قُتل فيه جنود كثر من الجيشين المتحاربين، انهزم الجيش العثماني  دون فتح شيء من هذا الإقليم.
 ويذكر المؤرخون أن "أسطفان الرابع" قال أن هذه الهزيمة التي لحقت بالعثمانيين "هي أعظم هزيمة حققها الصليب على الإسلام". 
وقالت الأميرة "مارا" التي كانت زوجةً للسلطان مراد الثاني
 والد الفاتح، سابقاً، لمبعوث بندقي أن هذه الهزيمة هي أفظع الهزائم التي تعرّض لها العثمانيون في التاريخ.
 وبذلك اشتهر "أسطفان الرابع" أمير البغدان بمقاومة العثمانيين
 فخلع عليه البابا "سيكستوس الرابع"
 لقب "بطل المسيح" 
و"الحامي الحقيقي للديانة المسيحية" 

الدولة العثمانية(149)

26-محمدالفاتح
بعد ذلك بقليل زحف "أوزون حسن"، سلطان دولة الخروف الأبيض بالتركية العثمانية: آق قوینلو
وهو أحد خلفاء تيمورلنك
الذي كان سلطانه ممتدا على كافة البلاد والأقاليم الواقعة بين نهري جيحون والفرات، وفتح مدينة "توقات" عنوة ونهب أهلها.
 فأخذ السلطان في تجهيز جيش جرّار وأرسل لأولاده "داوود باشا" بكلر بك الأناضول، و"مصطفى باشا" حاكم القرمان، يأمرهما بالمسير لمحاربة العدوّ، فسارا بجيوشهما إليه وقابلا جيش "أوزون حسن" على حدود إقليم الحميد، وهزماه شر هزيمة في معركة بالقرب من مدينة "إرزينجان" سنة 1471. 
وبعدها، في أواخر صيف عام 1473، سار إليه السلطان نفسه ومعه مائة ألف جندي وأجهز على ما بقي معه من الجنود بالقرب من مدينة "گنجه"
 ولم يعد "أوزون حسن" لمحاربة الدولة العثمانية بعد ذلك
 إذ أن هذه المعركة كانت قد قضت على سلطة دولته
 ولم يعد للعثمانيين من عدو لجهة الشرق، حتى بروز الشاه "إسماعيل الصفوي" والدولة الصفوية 
 وفي هذه الأثناء كانت الحرب متقطعة بين العثمانيين والبنادقة الذين استعانوا ببابا روما وأمير نابولي
وكان النصر فيها دائماً للعثمانيين، ولم يتمكن البنادقة من استرجاع شيء مما أخذ منهم.

الدولة العثمانية(148)

25-محمدالفاتح
بعد أن ساد الأمن في أنحاء أوروبا، حوّل السلطان أنظاره إلى بلاد القرمان بآسيا الصغرى ووجد سبيلا سهلا للتدخل
 وهو أن أميرها المدعو "إبراهيم" أوصى بعد موته بالحكم إلى أحد أولاده واسمه الأمير إسحق، ولكونه كان لديه إخوة لأب أكبر منه سنا
 يرغب كل منهم بالحكم بطبيعة الأمر، تدخل السلطان محمد الثاني وحارب إسحق وهزمه وولى محله أكبر إخوته
وعاد إلى أوروبا لمحاربة اسكندر بك، الذي كان ما زال على قيد الحياة آنذاك، فانتهز الأمير إسحق غياب السلطان وعاود الكرّة على قونية
عاصمة القرمان، لاسترداد ما أوصى به إليه أبوه من البلاد، فرجع إليه السلطان وقهره. 
وليستريح باله من هذه الجهة أيضا، ضمّ إمارة قرمان إلى بلاده وغضب على وزيره "محمود باشا" الذي عارضه في هذا الأمر

الدولة العثمانية(147)

24-محمدالفاتح
بعد ذلك حاول البابا "بيوس الثاني" بكل ما أوتي من مهارة وقدرة سياسية تركيز جهوده في ناحيتين اثنتين:
 حاول أولاً أن يقنع الأتراك باعتناق الدين المسيحي، ولم يقم بإرسال بعثات تبشيرية لذلك الغرض وانما اقتصر على إرسال خطاب إلى السلطان محمد الفاتح يطلب منه أن يعتنق المسيحية
 كما اعتنقها قبله قسطنطين الأول وكلوفيس ووعده بأنه سيكفر عنه خطاياه إن هو اعتنق المسيحية مخلصًا، ووعده بمنحه بركته واحتضانه ومنحه صكًا بدخول الجنة. 
ولما فشل البابا في خطته هذه لجأ إلى
 الخطة الثانية، خطة التهديد والوعيد واستعمال القوة، فحاول تأجيج الحقد الصليبي في نفوس النصارى شعوبًا وملوكًا، قادة وجنودًا، واستعدت بعض الدول لتحقيق فكرة البابا الهادفة للقضاء على العثمانيين، ولكن لما حان وقت النفير اعتذرت دول أوروبا بسبب متاعبها الداخلية المختلفة.
 وعالج المنون البابا بعد هذا بفترة قصيرة
 إلا أن تحريضاته كانت قد أثرت في إسكندر بك الألباني، فحارب الجنود العثمانيين وحصل بينهما عدّة وقائع أريقت فيها كثير من الدماء، وكانت الحرب فيها سجالاً. 
وفي سنة 1467 توفي إسكندر بك بعد أن حارب الدولة العثمانية 25 سنة دون أن تتمكن من قمعه.
ثمّ بعد هدنة استمرت سنة واحدة، عادت الحروب بين العثمانيين والبنادقة وكانت نتيجتها أن فتح العثمانيون جزيرة "نجر بونت"، وتُسمى في كتب الترك "أغريبوس"، وتُعرف حاليًا باسم "إيبويا"
وهي مركز مستعمرات البنادقة في جزر الروم، وتمّ فتحها في سنة 1470.

الدولة العثمانية(146)

23-محمدالفاتح
سنة 1464، أراد "متياس كورفينوس" ملك المجر استخلاص البوسنة من العثمانيين، فهُزم بعد أن قُتل معظم جيشه، وكانت عاقبة تدخله أن جُعلت البوسنة ولاية كباقي ولايات الدولة، وسُلبت ما كان مُنح لها من الامتيازات
 ودخل في جيش الإنكشارية ثلاثون ألفاً من شبانها وأسلم أغلب أشراف أهاليها.
 وكانت قد ابتدأت حركات العدوان في سنة 1463 بين العثمانيين والبنادقة بسبب هروب أحد الرقيق إلى "كورون" التابعة للبندقية
 وامتناعهم عن تسليمه بحجة أنه اعتنق المسيحية دينًا.
 فاتخذ العثمانيون ذلك سببًا للاستيلاء على مدينة آرغوس وغيرها.
فاستنجد البنادقة بحكومتهم، فأرسلت إليهم عدداً من السفن محملة بالجنود، وأنزلتهم إلى بلاد موره، فثار سكانها وقاتلوا الجنود العثمانيين المحافظين على بلادهم وأقاموا ما كان قد تهدم من سور برزخ كورون لمنع وصول المدد من الدولة العثمانية، وحاصروا المدينة نفسها واستخلصوا مدينة آرغوس من الأتراك. 
لكن لما علموا بقدوم السلطان مع جيش يبلغ عدده ثمانين ألف مقاتل
 تركوا البرزخ راجعين على أعقابهم، فدخل العثمانيون بلاد موره بدون معارضة كبيرة واسترجعوا كل ما أخذوه وأرجعوا السكينة إلى البلاد. 
وفي السنة التالية أعاد البنادقة الكرّة على بلاد موره دون فائدة

الدولة العثمانية(145)

22-محمدالفاتح
سنة 1462، حارب السلطان بلاد البوسنة لامتناع أميرها "استيفان توماسفيتش" عن دفع الخراج
 وأسره بعد معركة هو وولده وأمر بقتلهما، فدانت له جميع بلاد البشناق. 
وأرسل فرمانا إلى الفرنسيسكان من سكان تلك البلاد يُطمئنهم 
بعدم تعرّض أي منهم للاضطهاد بسبب معتقداتهم الدينية، فقال:
بسم الله الرحمن الرحيم
أنا السلطان محمد خان الفاتح
أعلن للعالم أجمع أن
أهل البوسنة الفرنسيسكان قد مُنحوا بموجب هذا الفرمان السلطاني حماية جلالتي. ونحن نأمر بأن:
لا يتعرض أحد لهؤلاء الناس ولا لكنائسهم وصلابنهم 
وبأنهم سيعيشون بسلام في دولتي. 
وبأن أولئك الذين هجروا ديارهم منهم، سيحظون بالأمان والحرية.
وسيُسمح لهم بالعودة إلى أديرتهم الواقعة ضمن حدود دولتنا العليّة.
لا أحد من دولتنا سواء كان نبيلاً، وزيرا، رجل دين، أو من خدمنا سيتعرض لهم في شرفهم وفي أنفسهم 

لا أحد سوف يهدد، أو يتعرض لهؤلاء الناس في أنفسهم، ممتلكاتهم، وكنائسهم !

وسيحظى كل ما أحضروه معهم من متاع من بلادهم بنفس الحماية...

وبإعلان هذا الفرمان، أقسم بالله العظيم

الذي خلق الأرض في ستة أيام ورفع السماء بلا عمد، وبسيدنا محمد عبده ورسوله، وجميع الأنبياء والصالحين أجمعين، بأنه؛ لن نسمح بأن يُخالف أي من أفراد رعيتنا أمر هذا الفرمان !"

الدولة العثمانية(144)

21-محمدالفاتح
فلمّا وصلت هذه الأخبار إلى السلطان محمد استشاط غضباً وسار على الفور بحوالي 60.000 جندي نظامي و30.000 غير نظامي
 فوصل بسرعة إلى مدينة "بوخارست"
 عاصمة الأمير، بعد أن هزمه وفرّق جيوشه
 لكنه لم يتمكن من القبض عليه لمجازاته على ما اقترفه بحق العثمانيين والبلغار، لهروبه والتجائه إلى ملك المجر
 فنادى السلطان بعزله ونصب مكانه أخاه "راؤول" لثقته به بما أنه تربّى في حضانة السلطان منذ نعومة أظفاره
 وبذا ضُمّت بلاد الفلاخ إلى الدولة العثمانية.
 ويُقال أنه عند وصول السلطان محمد إلى ضواحي بوخارست
 وجد حول المدينة غابة من الخوازيق التي عُلّقت عليها جثث الأسرى الذين أتى بهم أمير الفلاخ من بلاد بلغاريا
وقتلهم عن آخرهم بما فيهم الأطفال والنسا
وكذلك الجنود العثمانيين الذين كان قد قبض عليهم إثر مناوشة ليلية
 وكان عددهم جميعا عشرين ألفاً.

الدولة العثمانية(143)

20-محمدالفاتح
ما أن عاد السلطان إلى القسطنطينية حتى جهز جيشًا لمحاربة أمير الفلاخ المدعو "فلاد دراكول الثالث المخوزق"
 لمعاقبته على ما ارتكبه من الفظائع مع أهالي بلاده والتعدّي على التجار العثمانيين النازلين بها. 
فلمّا قرب منها، أرسل إليه هذا الأمير وفدا يعرض على السلطان دفع جزية سنوية قدرها عشرة آلاف دوكا بشرط أن يُصادق على جميع الشروط الواردة بالمعاهدة التي أبرمت في سنة 1393 بين أمير الفلاخ آنذاك والسلطان بايزيد الأول، فقبل السلطان محمد الثاني هذا الاقتراح وعاد بجيوشه. 
ولم يقصد أمير الفلاخ بهذه المعاهدة إلا التمكن من الاتحاد مع ملك المجر "متياس كورفينوس" ومحاربة العثمانيين.
فلمّا علم السلطان باتحادهما أرسل إليه مندوبين يسألانه عن الحقيقة، فقبض عليهما وقتلهما بوضعهما على عمود محدد من الخشب، الذي يُعرف بالخازوق.
وأغار بعدها على بلاد بلغاريا التابعة للدولة العثمانية وعاث فيها فسادًا، ورجع بخمسة وعشرين ألف أسير، فأرسل إليه السلطان رسلاً يدعونه إلى الطاعة وإخلاء سبيل الأسرى، فلمّا مثل الرسل أمامه أمرهم برفع عمائمهم لتعظيمه، وعند إبائهم طلبه لمخالفته لعوائدهم، أمر بأن تُسمّر عمائمهم على رؤسهم بمسامير من حديد.

الدولة العثمانية(142)

19-محمدالفاتح
وبعد عودة السلطان من بلاد اليونان أبرم صلحًا مع إسكندر بك وترك له إقليما ألبانيا وإيبيروس، ثم حوّل أنظاره إلى آسيا الصغرى ليفتح ما بقي منها، فسار بجيشه دون أن يُعلم أحدًا بوجهته في أوائل سنة 1461، فهاجم أولاً ميناء بلدة أماستريس، وكانت مركز تجارة أهالي جنوة النازلين بهذه الأصقاع.
ولكون سكانها تجّارًا يُحافظون على أموالهم ولا يهمهم دين أو جنسية متبوعهم ما دام غير متعرّض لأموالهم ولا أرواحهم، فتحوا أبواب المدينة ودخلها العثمانيون بغير حرب. ثم أرسل إلى "اسفنديار" أمير مدينة سينوب يطلب منه تسليم بلده والخضوع له.
 ولأجل تعزيز هذا الطلب أرسل أحد قوّاده ومعه عدد عظيم من المراكب لحصار الميناء، فسلمها إليه الأمير وأقطعه السلطان أراض واسعة بأقليم "بيثينيا" مكافأة له على خضوعه. 
ثم قصد بنفسه مدينة طرابزون ودخلها دون مقاومة شديدة وقبض على الملك وأولاده وزوجته وأرسلهم إلى القسطنطينية

الدولة العثمانية(141)

18-محمدالفاتح
وفي هذه الأثناء تمّ فتح بلاد موره. 
ففي سنة 1458 فتح السلطان مدينة "كورنته" وما جاورها من بلاد اليونان حتى جرّد "طوماس باليولوج" أخا قسطنطين من جميع بلاده ولم يترك إقليم موره لأخيه دمتريوس إلا بشرط دفع الجزية. 
وبمجرّد ما رجع السلطان بجيوشه ثار طوماس وحارب الأتراك وأخاه معاً، فاستنجد دمتريوس بالسلطان فرجع بجيش عرمرم ولم يعد حتى تمّ فتح إقليم موره سنة 1460 فهرب طوماس إلى إيطاليا، ونُفي دمتريوس في إحدى جزر الأرخبيل.
 وفي ذلك الوقت فُتحت جزر تاسوس والبروس وغيرها من جزر بحر الروم.

الدولة العثمانية(140)

17-محمدالفاتح
وفي السنة التالية أعاد السلطان الكرّة على الصرب من جديد، بجيش مؤلف من خمسين ألف مقاتل وثلاثمائة مدفع، ومر بجيوشه من جنوب تلك البلاد إلى شمالها بدون أن يلقى أقل معارضة حتى وصل مدينة بلغراد الواقعة على نهر الدانوب وحاصرها من جهة البر والنهر.
 وكان هونياد المجري دخل المدينة قبل إتمام الحصار عليها ودافع عنها حتى عدل السلطان من فتحها ورفع عنها الحصار سنة 1455. 
لكن وإن لم يتمكن العثمانيون من فتح عاصمة الصرب إلا أنهم أصابوا هونياد بجراح بليغة توفي بسببها بعد رفع الحصار عن المدينة بنحو عشرين يومًا. 
ولما علم السلطان بموته أرسل الصدر الأعظم "محمود باشا" لإتمام فتح بلاد الصرب فأتمّ فتحها من سنة 1458 إلى سنة 1460.

الدولة العثمانية(139)

16-محمدالفاتح
بعد إتمامه لترتيباته وبناء ما هُدم من أسوار القسطنطينية وتحصينها، أمر السلطان ببناء مسجد بالقرب من قبر أبي أيوب الأنصاري جرت العادة فيما بعد أن يتقلد كل سلطان جديد سيف عثمان الغازي الأول في هذا المسجد
ثم سافر بجنوده لفتح بلاد جديدة، فقصد بلاد موره، لكن لم ينتظر أميراها "دمتريوس" و"توماس"، أخوا قسطنطين، قدومه، بل أرسلا إليه يُخبرانه بقبولهما دفع جزية سنوية قدرها إثنا عشر ألف دوكا. 
فقبل السلطان ذلك، وغيّر وجهته قاصدًا بلاد الصرب، فأتى "هونياد" الشجاع المجري، الملقب "بالفارس الأبيض"
وردّ عن الصرب مقدمة الجيوش العثمانية
 إلا أن الصرب لم يرغبوا في مساعدة المجر لهم لاختلاف مذهبهم
 حيث كان المجر كاثوليكيين تابعين لبابا روما
 والصرب أرثوذكسيين لا يذعنون لسلطة البابا بل كانوا يفضلون تسلط المسلمين عليهم لما رأوه من عدم تعرضهم للدين مطلقًا. 
ولذلك أبرم أمير الصرب الصلح مع السلطان محمد الثاني على أن يدفع له سنويًا ثمانين ألف دوكا، وذلك في سنة 1454.


الدولة العثمانية(138)

15-محمدالفاتح
وكان السلطان قد أمر بحبس الصدر الأعظم "خليل جندرلي باشا"، الذي اتهم أثناء حصار القسطنطينية بالتعامل مع العدو أو تلقيه رشوة منهم لفضح تحركات الجيش العثماني، فحُبس لمدة أربعين يومًا وسُملت عيناه، ثم حُكم عليه بالإعدام فأعدم.
 حيث بذل الشعراء والأدباء ما في وسعهم لتأجيج نار الحقد وبراكين الغضب في نفوس النصارى ضد المسلمين، وعقد الأمراء والملوك اجتماعات طويلة ومستمرة وتنادوا إلى نبذ الخلافات والحزازات والتوحد ضد العثمانيين. 
وكان البابا نيقولا الخامس أشد الناس تأثراً بنبأ سقوط القسطنطينية، وعمل جهده وصرف وقته في توحيد الدول الإيطالية وتشجيعها على قتال المسلمين، وترأس مؤتمرًا عُقد في روما، أعلنت فيه الدول المشاركة عزمها على التعاون فيما بينها وتوجيه جميع جهودها وقوتها ضد العدو المشترك.
 وأوشك هذا الحلف أن يتحقق إلا أن الموت عاجل البابا في 25 مارس سنة 1455، فلم تتم أي من هذه الخطط 
 يقول الباحث جمال الدين فالح الكيلاني: "يكاد يُجمع المؤرخين أنه بفتح القسطنطينية تنتهي العصور الوسطى الأوروبية وندخل في العصور الحديثة، حيث تنبهوا لأهمية تحول المدينة إلى إسلامية، حيث شكلت أكبر خطر على أوروبا طوال الفترة اللاحقة

الاثنين، 11 يونيو 2018

الدولة العثمانية(137)

14-محمدالفاتح
بعد تمام النصر والفتح، اتخذ السلطان لقب الفاتح وقيصر الروم على الرغم من أن هذا اللقب الأخير لم تعترف به بطركيّة القسطنطينية ولا أوروبا المسيحية. وكان السبب الذي جعل السلطان يتخذ هذا اللقب هو أن القسطنطينية كانت عاصمة الإمبراطورية الرومانية، بعد أن نُقل مركز الحكم إليها عام 330 بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية، وكونه هو سلطان المدينة فكان من حقه أن يحمل هذا اللقب. 
وكان للسلطان رابطة دم بالأسرة الملكية البيزنطية، بما أن كثيرا من أسلافه، كالسلطان أورخان الأول
 تزوجوا بأميرات بيزنطيات. 
ولم يكن السلطان هو الوحيد الذي حمل لقب القيصر في أيامه
 إذ أن إمبراطور الإمبراطورية الرومانية المقدسة في أوروبا الغربية
 "فريدريش الثالث"، قال آنذاك بأنه يتحدر مباشرة من شارلمان
 الذي حصل على لقب "قيصر" عندما توّجه البابا "ليو الثالث" عام 800، على الرغم من عدم اعتراف الإمبراطورية البيزنطية بهذا الأمر عندئذ.

الدولة العثمانية(136)

13-محمدالفاتح
عند الساعة الواحدة صباحاً من يوم الثلاثاء 29 مايو، 1453م، الموافق 20 جمادى الأولى سنة 857 هـ بدأ الهجوم العام على المدينة، فهجم مائة وخمسون ألف جندي وتسلقوا الأسوار حتى دخلوا المدينة من كل فج وأعملوا السيف فيمن عارضهم واحتلوا المدينة شيئاً فشيئاً إلى أن سقطت بأيديهم، بعد 53 يومًا من الحصار.
 أما الإمبراطور قسطنطين فقاتل حتى مات في الدفاع عن وطنه كما وعد، ولم يهرب أو يتخاذل.
ثم دخل السلطان المدينة عند الظهر 
ثم توجه إلى كنيسة آيا صوفيا وقد اجتمع فيها خلق كبير من الناس ومعهم القسس والرهبان الذين كانوا يتلون عليهم صلواتهم وأدعيتهم، وعندما اقترب من أبوابها خاف المسيحيون داخلها خوفاً عظيماً
 وقام أحد الرهبان بفتح الأبواب له فطلب من الراهب تهدئة الناس وطمأنتهم والعودة إلى بيوتهم بأمان، فأطمأن الناس وكان بعض الرهبان مختبئين في سراديب الكنيسة فلما رأوا تسامح الفاتح وعفوه خرجوا وأعلنوا إسلامهم
 وقد أمر الفاتح بعد ذلك بأن يؤذن في الكنيسة بالصلاة إعلانًا بجعلها مسجدًا.
 وقد أعطى السلطان للنصارى حرية إقامة الشعائر الدينية واختيار رؤسائهم الذين لهم حق الحكم في النظر بالقضايا المدنية
 كما أعطى هذا الحق لرجال الكنيسة في الأقاليم الأخرى ولكنه في الوقت نفسه فرض الجزية على الجميع.
 ثم قام بجمع رجال الدين المسيحيين لينتخبوا بطريركًا لهم، فاختاروا "جورجيوس كورتيسيوس سكولاريوس" 
 وأعطاهم نصف الكنائس الموجودة في المدينة
 أما النصف الأخر فجعله جوامع للمسلمين.
 وبتمام فتح المدينة، نقل السلطان محمد مركز العاصمة إليها، وسُميت "إسلامبول"، أي "تخت الإسلام" أو "مدينة الإسلام".

الدولة العثمانية(135)

12-محمدالفاتح
استيقظ أهل المدينة صباح يوم 22 أبريل وفوجئوا بالسفن العثمانية وهي تسيطر على ذلك المعبر المائي، ولم يعد هناك حاجز مائي بين المدافعين عن القسطنطينية وبين الجنود العثمانيين
 ولقد عبّر أحد المؤرخين البيزنطيين عن عجبهم من هذا العمل فقال: 
«ما رأينا ولا سمعنا من قبل بمثل هذا الشيء الخارق، محمد الفاتح يحول الأرض إلى بحار وتعبر سفنه فوق قمم الجبال بدلاً من الأمواج، لقد فاق محمد الثاني بهذا العمل الأسكندر الأكبر».
 أيقن المحاصرون عند هذا أن لا مناص من نصر العثمانيين عليهم، لكن لم تخمد عزائمهم بل ازدادوا إقداماً وصمموا على الدفاع عن مدينتهم حتى الموت. 
وفي يوم 24 مايو سنة 1453م، الموافق 15 جمادى الأولى سنة 857هـ، أرسل السلطان محمد إلى الإمبراطور قسطنطين رسالة دعاه فيها إلى تسليم المدينة دون إراقة دماء
وعرض عليه تأمين خروجه وعائلته وأعوانه وكل من يرغب من سكان المدينة إلى حيث يشاؤون بأمان
وأن تحقن دماء الناس في المدينة ولا يتعرضوا لأي أذى وأعطاهم الخيار بالبقاء في المدينة أو الرحيل عنها
 ولما وصلت الرسالة إلى الإمبراطور جمع المستشارين وعرض عليهم الأمر
 فمال بعضهم إلى التسليم وأصر آخرون على استمرار الدفاع عن المدينة حتى الموت
 فمال الامبراطور إلى رأي القائلين بالقتال حتى آخر لحظة
 فرد الامبراطور رسول الفاتح برسالة قال فيها إنه يشكر الله إذ جنح السلطان إلى السلم وأنه يرضى أن يدفع له الجزية 
أما القسطنطينية فإنه أقسم أن يدافع عنها إلى آخر نفس في حياته فإما أن يحفظ عرشه أو يُدفن تحت أسوارها
 فلما وصلت الرسالة إلى الفاتح قال: 
«حسناً عن قريب سيكون لي في القسطنطينية عرش أو يكون لي فيها قبر».

الدولة العثمانية(134)

11-محمدالفاتح
وفي هذا الوقت كان البيزنطيين قد قاموا بسد مداخل ميناء القسطنطينية بسلاسل حديدية غليظة حالت بين السفن العثمانية والوصول إلى القرن الذهبي، بل دمرت كل سفينة حاولت الدنو والاقتراب.
إلا أن الأسطول العثماني نجح على الرغم من ذلك في الاستيلاء على جزر الأمراء في بحر مرمرة.
 استنجد الإمبراطور قسطنطين، آخر ملوك الروم، بأوروبا، فلبّى طلبه أهالي جنوة وأرسلوا له إمدادات مكونة من خمس سفن وكان يقودها القائد الجنوي "جوستنياني" يُرافقه سبعمائة مقاتل متطوع من دول أوروبية متعددة، فأتى هذا القائد بمراكبه وأراد الدخول إلى ميناء القسطنطينية، فاعترضته السفن العثمانية ونشبت بينهما معركة هائلة في يوم 21 أبريل، 1453 م، الموافق يوم 11 ربيع الثاني، 857 هـ، انتهت بفوز جوستنياني ودخوله الميناء بعد أن رفع المحاصرون السلاسل الحديدية ثم أعادوها بعد مرور السفن الأوروبية كما كانت.
 حاولت القوات البحرية العثمانية تخطي السلاسل الضخمة التي تتحكم في مدخل القرن الذهبي والوصول بالسفن الإسلامية إليه، وأطلقوا سهامهم على السفن الأوروبية والبيزنطية ولكنهم فشلوا في تحقيق مرادهم في البداية، فارتفعت بهذا الروح المعنوية للمدافعين عن المدينة.
 بعد هذا الأمر، أخذ السلطان يُفكر في طريقة لدخول مراكبه إلى الميناء لإتمام الحصار برّاً وبحراً، فخطر بباله فكر غريب، وهو أن ينقل المراكب على البر ليجتازوا السلاسل الموضوعة لمنعها، وتمّ هذا الأمر المستغرب بأن مهدت الأرض وسويت في ساعات قليلة وأتي بألواح من الخشب دهنت بالزيت والشحم، ثم وضعت على الطريق الممهد بطريقة يسهل بها انزلاج السفن وجرها
 وبهذه الكيفية أمكن نقل نحو سبعين سفينة وإنزالها في القرن الذهبي على حين غفلة من البيزنطيين.

الدولة العثمانية(133)

10-محمدالفاتح
سعى السلطان، بعد كل هذه الاستعدادات، في إيجاد سبب لفتح باب الحرب، ولم يلبث أن وجد هذا السبب بتعدي الجنود العثمانيين على بعض قرى الروم ودفاع هؤلاء عن أنفسهم، حيث قُتل البعض من الفريقين.
 عمل السلطان على تمهيد الطريق بين أدرنة والقسطنطينية لكي تكون صالحة لجر المدافع العملاقة خلالها إلى القسطنطينية، وقد تحركت المدافع من أدرنة إلى قرب القسطنطينية، في مدة شهرين حيث تمت حمايتها بقسم الجيش حتى وصلت الأجناد العثمانية يقودها الفاتح بنفسه إلى مشارف القسطنطينية في يوم الخميس 6 أبريل، 1453 م، الموافق 26 ربيع الأول، 857 هـ، فجمع الجند وكانوا قرابة مائتين وخمسين ألف جندي أي ربع مليون
 فخطب فيهم خطبة قوية حثهم فيها على الجهاد وطلب النصر أو الشهادة، وذكّرهم فيها بالتضحية وصدق القتال عند اللقاء، وقرأ عليهم الآيات القرآنية التي تحث على ذلك، كما ذكر لهم الأحاديث النبوية التي تبشر بفتح القسطنطينية وفضل الجيش الفاتح لها وأميره، وما في فتحها من عز للإسلام والمسلمين، وقد بادر الجيش بالتهليل والتكبير والدعاء.
وبهذا ضرب السلطان الحصار على المدينة بجنوده من ناحية البر، وبأسطوله من ناحية البحر، وأقام حول المدينة أربع عشرة بطارية مدفعية وضع بها المدافع الجسيمة التي صنعها "أوربان" والتي قيل بأنها كانت تقذف كرات من الحجارة زنة كل واحدة منها اثنا عشر قنطارًا إلى مسافة ميل، 
إلا أن المؤرخين المعاصرين يقولون أن هذا الرقم مبالغ فيه بوضوح
 فإنه ولو وُجد في ذلك الزمان آلة تستطيع أن تقذف هذا الوزن الكبير
 فإنه لا يوجد أناس قادرين على رفع هذا الوزن ليضعوه في المدفع
 فالقنطار يساوي 250 كيلوغراما
فوزن القذيفة على هذا الاعتبار يكون 3000 كيلوغراما
 وبالتالي فلعلّ المقصود كان 12 رطلا وليس قنطارا.
 وفي أثناء الحصار اكتُشف قبر "أبي أيوب الأنصاري" الذي استشهد حين حاصر القسطنطينية في سنة 52 هـ في خلافة معاوية بن أبي سفيان الأموي.