السبت، 19 مايو 2018

عصاب الخوف المرضي ( الفوبيا )



تعريف الخوف المرضي :
خوف مرضي دائم من وضع أو موضوع ( شخص أو شيء أو موقف أو فعل أو مكان ) غير مخيف ولا يستثير عادة الخوف لدى عامة الناس ، ولا يستند إلى أساس واقعي ، ولا يمكن ضبطه أو التخلص منه أو السيطرة عليه ، ويعرف المريض أنه غير منطقي ، ورغم هذا فإن هذا الخوف يتملكه ويحكم سلوكه ، ويصاحبه القلق والعصابية والسلوك القهري .
وهناك فرق بين الخوف ( العادي ) وبين ( الخوف المرضي ) :
فالخوف العادي غريزة ، وهو حالة يحسها كل إنسان في حياته العادية حين يخاف مما يخيف فعلا ، مثل حيوان مفترس حين يشعر باقترابه ينفعل ويخاف ويقلق ويسلك سلوكا ضروريا للمحافظة على الحياة هو الهرب .
فالخوف العادي إذن هو خوف موضوعي أو حقيقي ( من خطر حقيقي ) .
أما الخوف المرضي فهو خوف شاذ ودائم ومتكرر ومتضخم مما لا يخيف في العادة ، ولا يعرف المريض له سببا ، وقد يكون الخواف عاما غير محدد ، وهميا أو غير حسي ، كالخوف من الأماكن المفتوحة ، ويبدو في خوف المريض ، من البقاء في أماكن مفتوحة ، فإذا ما دخل منزلا لا يستريح إلا إذا أغلق الباب ، وإذا جلس في غرفة يظل قلقا حتى تغلق منافذها ، وإذا سار في الشارع أو خرج إلى الأماكن الفسيحة انتابه الفزع والضيق ..الخ . وكما أن هناك مرضى يخافون من الأماكن المفتوحة ، هناك أيضا مرضى على عكسهم تماما مصابون بالخوف من الأماكن المغلقة ، فلا تكاد تغلق باب الغرفة التي يجلسون فيها حتى يصاب الفرد منهم بالخوف والفزع ، ويظل في هذه الحالة حتى يخرج من الغرفة أو تفتح منافذها .
وعموما ، فإن المواقف أو الأشياء أو الموضوعات التي تستثير الخوف لدى مرضى الفوبيات كثيرة لا يمكن حصرها : من أمثلة الخوف المرضي من الأماكن المرتفعة، والخوف المرضي من منظر الدم  والخوف المرضي من نوع من الحيوانات كالقط والدجاجة ..الخ . ولكل مريض بالفوبيا موقف معين أو موضوع معين أو أكثر هو الذي يخيفه ، ولا يظهر عليه الفزع والقلق والضيق إلا إذا ظهر موضوع خوفه أمامه ، بحيث يظل المريض بالفوبيا عاديا لا تظهر عليه أعراض المرض إلا في حالة ظهور موضوع خوفه
هذا وتختلف درجة الخوف المرضي من مريض بالفوبيا لآخر ، فالبعض يظهر عليه الخوف والفزع الشديدان إذا ظهر موضوع خوفه بينما البعض يكون أقل خوفا وفزعا إذا ظهر موضوع خوفه .
أسباب الخواف :
يرجع الخواف إلى عدة أسباب وعوامل هي :
1 – تخويف الأطفال ، وعقابهم ، والحكايات المخيفة التي تحكي لهم ، والخبرات المريرة القاسية التي يمرون بها ، والخبرات المخيفة المكبوتة ( خاصة منذ الطفولة المبكرة ) .
2 – الظروف الأسرية المضطربة ( الشجار والانفصال والطلاق والعطف الزائد والحماية الزائدة والوالدان العصبيان ) ، والسلطة الوالدية المتزمتة ، والتربية الخاطئة ( كالمنع والعقاب والرهبة ، وعدم المساواة في المعاملة بين الأطفال ) .
3 – خوف الكبار وانتقاله عن طريق المشاركة الوجدانية والإيحاء والتقليد ، وعدوى الخواف من مريض به إلى مخالطيه .
4 – القصور الجسمي ، والقصور العقلي ، والرعب من المرض .
5 – الفشل المبكر في حل المشكلات .
6 – الشعور بالإثم وما يرتبط به من خواف ( كخوف المريض من الأمراض الجنسية ، نتيجة لشعوره بالذنب الناجم عن اتصال جنسي محرم ) .
7 – وقد يكون الخواف دفاعا لحماية المريض من رغبة لاشعورية مستهجنة ، جنسية أو عدوانية في الغالب ( فمثلا قد تشعر امرأة بالخوف من الوحدة ، ويكون هذا بمثابة دفاع لحمايتها من احتمال قيامها بعلاقة جنسية محرمة ترغب فيها لاشعوريا ) .
8 – وتلعب حيلة الإزاحة دورا ديناميا فعالا في الخواف ، حيث تزاح المهددات الداخلية إلى مهددات خارجية إزاحة لاشعورية ، وحيث ينقل الانفعال من مصدره الأصلي إلى بديل أكثر قبولا ( فمثلا خواف المدرسة قد يكون تلقائيا بسبب الانفصال عن الأم ) .
أعراض الخواف :
فيما يلي أهم أعراض الخواف :
1 – كل أنواع المخاوف المرضية مثل الخوف المرضي من : الخوف – الجنس – النساء – الأماكن الواسعة – الأماكن المغلقة – الأماكن المرتفعة – النور – الظلام – البرق – الرعد – الماء – النار – الدم – الجراثيم – الحشرات – الحيوانات – الثعابين – التلوث – التسمم – المرض – الألم – الموت – الزحام – اللغات الأجنبية – الغرباء ... إلخ
2 – القلق والتوتر .
3 – ضعف الثقة في النفس ، والشعور بالنقص ، وعدم الشعور بالأمن ، والتردد وإضاعة الوقت ، يعمل ألف حساب لكل أمر ، والجبن ، وتوقع الشر ، وشدة الحرص ، والانسحاب والانفراد ، والهروب ، أو التهاون والاستهتار ، والاندفاع ، وسوء السلوك .
4 – الإجهاد ، والصداع والإغماء ، وخفقان القلب ، وتصبب العرق ، والتقيؤ ، وآلام الظهر ، والارتجاف ، واضطراب الكلام , والبوال أحيانا
5 – السلوك التعويضي مثل : النقد والسخرية ، والتحكم ، وتصنع الوقار والجرأة والشجاعة .
5 – الأفكار الوسواسية ، والسلوك القهري .
6 – الامتناع عن بعض مظاهر السلوك العادي ، ويصبح الخواف عائقا معجزا ( مثل الامتناع عن الأكل في المطاعم أو الامتناع عن التنزه أو الرياضة أو حتى مغادرة المنزل أو عبور الطريق ) .
تشخيص الخواف :
1 – يجب أولا المفارقة بين الخواف العادي وبين الخوف المرضي .
2 – ويجب التفريق بين الخواف ( كمرض ) وبين الخواف ( كعرض )  فالخواف أحيانا يكون مصحوبا لأمراض أخرى كعرض ، فهو عرض هام من أعراض القلق النفسي والاكتئاب والوسواس والقهر والهذاء .
3 - ويجب المفارقة بين الخواف وبين القلق ، حيث في الخواف يسيطر المريض ( نسبيا ) على القلق ويربطه بوضع أو موضوع خارجي ، وتكون الدفاعات الرئيسية هي الكبت والإزاحة والتجنب .
علاج الخواف :
يجب أولا إثارة رغبة المريض في العلاج ، وفيما يلي أهم ملامح العلاج :
1 – العلاج النفسي للخواف :
خاصة التحليل النفسي للكشف عن الأسباب الحقيقية والدوافع المكبوتة ، والمعنى الرمزي للأعراض ، وتصريف الكبت ، وتنمية بصيرة المريض ، وتوضيح الغريب وتقريبه من إدراك المريض والفهم الحقيقي والشرح والإقناع والإيحاء ، وتكوين عاطفة طيبة نحو مصدر الخوف . ويستخدم أيضا العلاج النفسي التدعيمي ، وتنمية الثقة في النفس ، وتشجيع النجاح والشعور به ، وأبرز نواحي القوة والإيجابية لدى الفرد ، وتشجيع المريض على الاعتماد على نفسه ، وإكسابه الخبرات بنفسه ، وتنمية الشعور بالأمن والإقدام والشجاعة . ويستخدم كذلك العلاج النفسي المختصر في حالة المخاوف الحديثة الظهور ، ويستفيد بعض المعالجين بالتنويم الإيحائي .
2 – العلاج السلوكي الشرطي للخواف :
بكف الارتباط بين المخاوف وذكرياتها الدفينة ، وقطع دائرة المثير والخوف والسلوك وفك الاشراط والتعرض لمواقف الخواف نفسه مع التشجيع والمناقشة والاندماج وربط مصادر الخوف بأمور سارة محببة والتعويد العادي في الخبرة الواقعية السارة غير المخيفة ومنع استثارة الخوف ( وقد تستخدم بعض الأدوية المهدئة للتقليل من حدة القلق المصاحب لمثل هذه المواقف ) . ويستخدم أسلوب التحصين التدريجي بصفة خاصة
كما يفيد العلاج السلوكي التصرفي في علاج مثل هذا النوع من العصاب ، وذلك بتعريض المريض تدريجيا للمثير المسبب للمخاوف ، عن طريق التخيل للمثير في وضع استرخاء ، ثم عرض صور المثير على المريض بالتدريج ، وبعد ذلك عرض المثير نفسه في وجود مرضى آخرين ، ثم التعريض المفاجئ للمثير بدون أي مقدمات
3 – العلاج الجماعي للخواف : بالتشجيع الاجتماعي ، وتنمية التفاعل الاجتماعي السليم الناضج
4 – العلاج البيئي للخواف : بعلاج مخاوف الوالدين ، وعلاج الجو المنزلي الذي يجب أن تسوده المحبة والعطف والهدوء والثبات والاتزان والحرية وعلاج الوالدين والأقارب في حالة عدوى الخواف ، وتوجيه الوالدين والمشرفين للمساهمة في ضبط الانفعالات والتقليل من الخوف ببذل محاولات العلاج والتقليل من المشاجرات وعدم الخوف وعدم حكاية الحكايات المخيفة للأطفال .
5 – علاج الأمراض المصاحبة للخوف الرئيسي :
وخاصة إذا كانت تعرقل حياة المريض ، وتعوق توافقه الاجتماعي بشكل واضح .
وفيما يلي بعض القواعد الهامة التي يجب على الآباء اتباعها لعلاج الخواف لدى الأبناء :
أ – يجب إحاطة الطفل بجو من الدفء العاطفي الذي يشعره بالأمن والطمأنينة ، على أن يتسم بالعطف والحنان والحزم بدرجة معقولة ومرنة .
ب – تربية روح الاستقلال والاعتماد على النفس في الطفل كلما أمكن ، مما يساعد على تكوين الثقة في النفس ، مع إشعاره بالتقدير وعدم السخرية منه لأي سبب مع عدم مقارنته بإخوته أو بأقاربه .
ج – يجب على الآباء مساعدة الطفل على مواجهة المواقف التي ارتبطت بذهنه بإنفعال الخوف : كالخوف من القطط أو الكلاب أو الماء ، وذلك بتشجيعه . ولكن ليس بدفعه دفعا شديدا ، أو بزجره ونقده ، تحميسا له ليقبل عليها ! ويجب أن نلقنه الحقائق ، ونوضح له أنه لا خطورة في المواقف إلى أن يقنع ، ويسلك سلوكا سويا بدافع من نفسه .
د – يجب إبعاد الطفل عن مثيرات الخوف كالمأتم والرؤى المثيرة إثارة شديدة لإنفعال الخوف ، وحمايته من الخرافات السائدة في المجتمع من العفاريت والجن والجنية . وذلك بأن توضح له أن كل هذه الأمور خيالية لا يؤمن بها إلا الجهلاء .
هـ - يجب ألا نسرف في حث الطفل الصغير على التدين والسلوك القويم عن طريق التخويف بجهنم وعقاب الله ، وإلا كونا عنده منذ الصغر مركب الشعور بالنقص والذنب .
و – والخطة التي يمكن إتباعها للوقاية من الخوف وعلاجه هي توضيح الغريب ، وتقريبه من إدراك الطفل ، ثم ربط مصادر الخوف بأمور سارة محببة بدلا من ربطها بأمور تثير الخوف فحسب ، وبذلك يمكن بسهولة تحويله إلى مصدر تعليمي يتم للطفل نفسه .
وأخيرا يجب على الآباء أن يروضوا أنفسهم على عدم القلق على أبنائهم ، وعليهم أن يخفوا قلقهم إذا كان خارجا عن إرادتهم ، وأن يقللوا من التحذيرات والمبالغة في النقد ، وأن يمتنعوا عن الاستهزاء بالأطفال والسخرية منهم ، فعالم الأطفال عالم دقيق حساس سريع التأثير ، شديد الانفعال ، قليل الادراك ، نادر الخبرة ، ضئيل الحيلة
مآل الخواف :
مآل الخواف حسن ويدعو إلى التفاؤل بصفة عامة شريطة التشخيص الدقيق وتعاون المريض والعلاج السليم .
وفيما يلي حالة تدل على خصائص هذا النوع ( المخاوف ) : سيدة ، في الخامسة والأربعين من عمرها ، تعمل ربة منزل ، ذات تكوين من النوع البدين ، ومزاج انفعالي نوابي ... ، أنجبت طفلتها الأخيرة منذ عشرة شهور قبل الاستشارة ... ولها خمسة أولاد آخرون ، أكبرهم في الخامسة والعشرين من عمره ..
جاءت تشكو من الخوف من أن تقتل ابنتها الرضيعة ، وتقول : أنها تحبها حبا شديدا ... وأنها لا تتصور بحال من الأحوال أن هذا ممكن الحدوث ، ولكنها تصاب بالفزع الفجائي ، حين ترضعها أو تقترب من الشرفة ، وهي تحملها خشية أن تستجيب لهذا الدافع الغريب ...
" .... والنبي يا دكتور ، أنا مش عارفة إيه اللي جرى في عقلي ... هوا دا معقول ... دي البنت اللي أنا شاحتاها من ربنا ... دي ضناي .. حد يقتل ضناه ... إنما أعمل إيه في مخي ... ساعاد يتهيأ لي إني حارميها من إيدي رأسها تتدشدش ... وساعات يتهيأ لي أني حاحط المخدة على رأسها نفسها يتكتم . ، وقلبي يدق علي ، واترعب وأعرق ، وأبقى حادوخ ... أنا مش عارفة جرى لي إيه " .
وقد تبين من الفحص ، أنها ولدت هذه الطفلة بعد إنجاب خمسة أولاد ، عمر أصغرهم إثنى عشر عاما ، وأنها كانت حريصة عليها ... وغامرت بالحمل والولادة في هذه السن لتحقيق رغبتها ... فلما تحققت لم تصدق ... وكأن أملها كان أكبر من الواقع ، بحيث كانت تتصور أن كل مشاكلها ستحل بمجرد تحقيقه ... وكأن توازنها النفسي سيتحقق بهذا الأمل الخيالي ، كركيزة تلتف حولها ، فلما صدمها الواقع بحجمه المتواضع ، اختل هذا التوازن ، وظهرت المخاوف .
وقد عولجت بمضادات الاكتئاب من نوع مثبط ، أحادي الأمينات ( البارنات ) ، مع جرعة خفيفة من المهدئات العظيمة من نوع الفينوثيازين ، وتحسنت حالتها تماما مع جلسات العلاج النفسي التدعيمي ...
وهكذا نرى كيف أن المخاوف هنا انفعالية يصاحبها نشاط في الجهاز العصبي الذاتي ... وكيف أنها لا تحمل طابع التكرار والتوتر الملازم ... ولكن يصاحبها الخوف والجزع والأغراض الفسيولوجية أساسا ، وكيف أنها استجابت للعلاج بسرعة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق